لها من قبل صناعة الطب . قد أقروا بذلك جماعتهم ، حتى إنهم إذا حلف أحدهم بمدبّر الكل عاقبوه بالعقوبة الشديدة .
قال : وقد أوضحنا نحن أن بدء كون العالم كلّه واحد ، وهو فضيلة « 1 » اللّه تعالى التي لم تزل . وعالم الربوبية مطابق لعالم الطبيعة . وبهذه المطابقة « 2 » صارت عطية اللّه تعالى تنفذ إلى عالم الطبيعة وإلى أجزائه الكبار والصغار .
لو لم يكن للعوالم رأس تنتهى عنده وترتقى إليه هو الذي يمسكها ويمدّها بالبقاء والثبات والشرح والترتيب والنظام ، لما كان فيها شئ من ذلك . لكن ذلك كلّه موجود بأضعافه . فينبغي أن يرتقى الجميع إلى مبدأ فاعل يحرّك العوالم ولا يتحرك بنوع من أنواع الحركة . وكماله من ذاته لا يستمدّه من غيره .
فإذن قد ضلّ وعزب رأى من يرى أن العالم كائن بالبخت والاتفاق . ولو كان له بصيرة يدرك بها حسن النظام وترتيب التأليف لاستحيا أن يلفظ بمثل هذه المقالة ، ولكن يعتاض عنها بالتقديس والتمجيد لمبدع الكل وسبب النظامات كلها - ذلكم اللّه الذي لا إله إلّا هو عالم الغيب والشهادة .
والأشياء التي قد بلغت نهايتها ليس ينبغي أن تسمى باسم الأشياء الواقعة تحت النهايات .
فإن من أراد أن يمدح الخير ليس يقدر أن يقول إنه خير . ومن أراد أن يمدح اللذة التي هي خير لا يقدر أن يقول إنها لذة خير ، لأنها نهاية الشئ الموصوف . فالموصوف إذا بلغ أقصى نهايته لم يمكن أن نزيد فيوصف بنهايته . فإن من فعل ذلك كان غير ماهر بقوانين المنطق والفلسفة جميعا فلذلك لا يمكننا « 3 » أن نمدحه ، إذا كان نهاية النهاية ؛ لأنّا لو ذهبنا نمدحه رجعنا إلى النهايات : بل إنما نذكره بالتمجيد فقط ، لأنه أعلى وأرفع من المدح .
فإنا إنما نمدح الأشياء التي تهوى أن تصير إلى المدح بفعلها « 4 » ، أو نذمها بخلاف ذلك .
فأمّا هذا الشئ الذي هو في نهاية أفق المدح فإنما نناله بالتمجيد المحض والتسبيح . ولو كان
هامش
( 1 ) أي : فضل منه .
( 2 ) ص : المطابقات .
( 3 ) ص : لا يمكنا .
( 4 ) ص : نفعلها .