طلبه وقلّل من « 1 » النظر إليه ؛ لكن الناظر إليها ، أعنى إلى تلك الأشياء كلها ، كلما طال نظره إليها ازداد بها عجبا وإليها شوقا فينظر إليها بنظرة لا نهاية لها .
وإنما جعل الناظر لا يشبع من « 2 » النظر إليها ولا يتعب « 3 » عنها لأنّها لا تتغير عن حسنها ، بل كلما رآها الناظر ازدادت عنده حسنا وجمالا . وليس في الحياة التي هناك تعب ولا نصب لأنها حياة نقية عذبة ، والشئ ذو الحياة الفاضلة ليس يتعب ولا يدخل عليه الألم ، لأنها لم تزل كاملة منذ أبدعت غير ناقصة ، ولذلك لا تحتاج إلى النّصب والتعب .
وإنما أبدعت تلك الحكمة من الحكمة الأولى والجوهر الأول من الحكمة ، لا أن الجوهر أول ثم الحكمة ، بل الجوهر هو الحكمة ، والآنية الأولى هي الجوهر والجوهر هو الحكمة ، لا أنه جوهر ثم حكمة كما يكون في الجواهر الثواني ، بل الآنية والجوهر والحكمة شئ واحد ، فلذلك صارت تلك الحكمة أوسع من كل حكمة وهي حكمة الحكم ، وأما الحكمة التي في العقل فإنما هي مع العقل - أقول إن العقل بريء « 4 » أولا ثم برئت حكمته ، مثلما قيل في المشترى : عقوبته مع « 5 » لذّاته ، ولذلك إنه تذكر أولا لذاته « 6 » ثم تذكر عقوبته .
والأشياء السماوية « 7 » والأرضية إنما هي أصنام [ 60 ا ] ورسوم للأشياء التي في العالم الأعلى ، ولذلك صار ما هناك منظرا عجيبا لا يراه إلّا أهل السعادة والجدّ « 8 » ، وهم الذين اجتهدوا في النظر إلى ذلك العالم . فأما عظمة الحكمة الأولى وقوتها ، فمن الذي يقدر أن يراها ويعرفها كنه معرفتها ؟ ! وذلك لأنها حكمة فيها جميع الأشياء ، وقدرة أبدعت الأشياء كلها . فالأشياء كلها فيها وهي غير الأشياء كلّها لأنها علة الأشياء العقلية والحسية ، غير أنها أبدعت الأشياء العقلية بلا توسّط ، وأبدعت الأشياء الحسية بتوسّط العقلية ، والأشياء كلها تنسب إليها لأنها هي علّة العلل وحكمة الحكم كما قد قلنا مرارا .
هامش
( 1 ) ح ، ط : قل .
( 2 ) ط : في .
( 3 ) ب ، ف : يغيب .
( 4 ) ط : بدأ أولا ثم بدأ حكمته - ح : برء أولا ثم يرى حكمته - ص : يرى أولا ثم يرى بعد ذلك حكمته . . .
( 5 ) مع . . . عقوبته : ناقصة في ح .
( 6 ) لذاته : ناقصة في ب ، ف .
( 7 ) ط ، ح : السمائية .
( 8 ) ف ، ح ، ط : والحدود ( بالحاء المهملة ) - وما أثبتنا في ص ، ب .