فمن أراد أن يرى الإنسان الحس الأول فينبغي أن يكون خيّرا فاضلا وأن تكون له حواس قوية لا تنحبس عند إشراق الأنوار الساطعة عليها ، وذلك أن الإنسان الأول نور ساطع فيه جميع الحالات الإنسانية ، إلا أنها فيه بنوع أفضل وأشرف وأقوى . وهذا الإنسان هو الإنسان الذي حدّه أفلاطن الشريف « 1 » الإلهى ، إلا « 2 » أنه زاد في حدّه فقال « 3 » : إن الإنسان الذي يستعمل البدن ويعمل أعماله بأداة بدنية فما هو « 4 » إلا نفس تستعمل البدن أوّلا ؛ فأما النفس الشريفة الإلهية فإنها تستعمل البدن استعمالا ثانيا أي بتوسّط النفس الحيوانية . وذلك أنه إذا صارت النفس الحيوانية المكونة حاسّة « 5 » اتبعتها النفس الناطقة الحية وأعطتها حياة أشرف وأكرم . ولست أقول إنها انحدرت من العلوّ ، لكن أقول إنها زادتها حياة أشرف وأعلى من حياتها ، لأن النفس الحية الناطقة « 6 » [ 55 ا ] لا تبرح من العالم العقلي ، لكنها تتصل بهذه الحياة وتكون هذه معلّقة بتلك ، فتكون كلمة تلك متصلة بكلمة هذه النفس . ولذلك صارت كلمة هذا الإنسان ، وإن كانت ضعيفة خفية « 7 » ، أحرى وأظهر لإشراق كلمة النفس العالية عليها واتصالها بها .
فإن قال قائل : إن كانت النفس ، وهي في العالم الأعلى ، حاسّة « 8 » ، فكيف يمكن أن تكون في الجواهر الكريمة العالية الحسية « 9 » وهي موجودة في الجوهر الأول ؟ - قلنا :
إن الحس الذي في العالم الأعلى ، أي في الجوهر الأكرم العقلي ، لا يشبه هذا الحسّ الذي في هذا العالم الأعلى الدنىّ ، وذلك أنه لا يحسّ هناك هذا الحسّ الدنىّ لأنه يحسّ هناك على نحو مذهب المحسوسات التي هناك ، فلذلك صار حسّ هذا الإنسان السفلىّ متعلقا بحسّ الإنسان الأعلى ومتصلا به ، فإنه إنما ينال هذا الإنسان الحسّ من هناك لاتصاله به كاتصال هذه النار بتلك النار العالية ، والحسّ الكائن في النفس التي هناك متّصل بالحسّ الكائن ( 10 - أفلوطين )
هامش
( 1 ) الشريف : ناقصة في ف ، ب .
( 2 ) كذا في ص . - ط ، ح : لأنه .
( 3 ) ط ، ح : وقال .
( 4 ) ب : فهو النفس تستعمل . ف : فهذه النفس تستعمل .
( 5 ) ف ، ب : حساسة .
( 6 ) الناطقة : ناقصة في ح .
( 7 ) كذا في ص - ط ، ح : خفيفة .
( 8 ) ف ، ب : حساسة .
( 9 ) ف ، ب : حسية .