التمسك بأهل بيته والانقياد إليهم ، وبدأ الانحراف الكبير ، وغصبت الخلافة من أهلها ، وسقطت بيد أناس كان هدفهم تسيير الدين على ما تشتهيه أنفسهم . كان أئمة الحقّ وشيعتهم في أكثر الأعصار مختفين في زاوية التقيّة ، متوقعين من ملوك أعصارهم نزول البليّة ، الّا في بعض الأزمنة القليلة التي أتيحت لهم الفرصة لبث علومهم ونشرها . ومن تلك الأزمنة زمن العلّامة الحلّي ، فاستطاع العلماء أن يأخذوا حريّتهم لنشر المعارف وترويجها ، وذلك لوجود السلطان محمّد خدا بنده ، فالتاريخ يحدّثنا عن هذا السلطان بأنّه كان صاحب ذوق سليم وصفات جليلة وخصال حميدة ، يحبّ العلم والعلماء بالأخص السادات ، وكان يعتني بهم كثيرا ، وكانت أكثر معاشرته ومؤانسته مع الفقهاء والزهاد والسادة والأشراف ، فحصل للعلم والفضل في زمان دولته رونق تام ورواج كثير « 1 » . ومن إنصاف هذا السلطان وحبّه للواقع جمع علماء المسلمين للمباحثة فيما بينهم ليختار المذهب الصحيح ، وبعد المناظرات الطويلة اختار مذهب الإمامية بفضل العلّامة الحلّي ، كما سيأتي مفصّلا . وبعد ما استبصر هذا السلطان لم يرض بمفارقة العلّامة ، بل طلب منه أن يكون دائما معه ، وأسّس له المدرسة السيارة ليكون هو وتلاميذه معه . ومن حسن سيرة هذا السلطان وإنصافه أنّه بعد ما استبصر وعرف الحقّ لم يهمل بقية العلماء من فرق المسلمين ، بل أبقى لهم منزلتهم واحترامهم ، لحبّه للعلم والعلماء ، وأمر قسما كبيرا من مبرزيهم بالحضور معه في المدرسة السيارة . نعم في عصر العلّامة أرجعت الحلّة وريثة بابل مكانتها العلمية ، فصارت محورا رئيسيا للعلم والعلماء ، ومركزا للشيعة ، ومنها كانت تستقي المدرسة
القواعد الجلية في شرح الرسالة الشمسية — صفحة 39
مساهمون: العلامة الحلي
ص٣٩
هامش
( 1 ) انظر تاريخ الحافظ الأبرو - المعاصر للسلطان - كما عنه في مجالس المؤمنين 2 / 360 ، ومنتخب التواريخ للنطنزي كما عنه في اللئالي المنتظمة : 70 ، وروضات الجنات 2 / 282 ، وغيرها .