ولمّا كانت ماهيات هذه الروح مختلفة بالنوع ، فيجوز أن يصدر عنها من الأعمال الشاقة والأفعال العظيمة ما تعجز قدرة البشر عن ذلك . وذكر فخر الدين « 1 » أنّه لا يبعد أن يكون لكل نوع منها تعلق مخصوص بنوع من الأجسام العنصرية . قال « 2 » : وكما أنّه دلّت الدلائل [ الطبيّة ] « 3 » على أنّ المتعلق الأوّل للنفس الناطقة التي ليس الإنسان إلّا هي إنّما هي الأرواح ، وقد عرفت في العلوم الحكمية أنّ الأرواح أجسام بخارية لطيفة متولدة من لطائف الأخلاط وتتكون في الجانب الأيسر من القلب ؛ وبواسطة تعلق النفس الناطقة بهذه الأرواح تصير متعلقة بسائر أعضاء البدن السارية فيها هذه الأرواح ؛ فكذلك أيضا لا يبعد أيضا أن يكون لكل واحد من هؤلاء الجن والشياطين تعلق ، بجزء من أجزاء الهواء بحيث يكون ذلك الجزء هو المتعلق الأوّل تعلق وتصرف في تلك الأجسام الكثيفة « 4 » . ولو كان ذلك صحيحا ، لوجب أن يكون الجن مرئيين دائما غير محتجبين « 5 » عن الأبصار ، كما لا تحجب الأبدان التي تعلقت بها الأنفس الناطقة الغير المرئية عن الأبصار لكثافة تلك الأجسام النافذة فيها الأهوية التي هي المتعلق الأوّل لأرواح الجن ؛ وعدم رؤيتهم يدل على أنّ هذا المذهب لا حاصل له .
[ طريقة أخرى في تحقيق أحوال الجن ]
وبعض الفضلاء من الحكماء ذكروا « 6 » في تحقيق أحوال الجن طريقة أخرى ، فقالوا : إنّ الأرواح البشرية الناطقة المتعلقة بالأبدان العنصرية إذا فارقت الأبدان - وكانت قد ازدادت قوة وكمالا بسبب انكشاف « 7 » الحقائق الروحانية والأسرار الربانية الموجودة في ذلك العالم - فإذا اتفق حدوث بدن آخر [ مشابه ] « 8 »