وبعضهم قال : إنّما لم يجز أن يقال : « حقيقة كذا شيء » لأنّ الشيء لا يقال إلّا على المجهول ، وحقيقة كذا لا تكون مجهولة « 1 » ؛ ليس بصواب ؛ فإنّه ليس من شرط صحّة المقوليّة « 2 » على شيء كونه مجهولا ؛ فإنّ الأمور البديهية والمبادئ الأوّل الأولية يصحّ أن يقال عليها ، مع كونها غير مجهولة « 3 » .
[ احتجاجات المتكلمين في القول بالأحوال والجواب عنها ]
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ المتكلمين اختلفوا في إثبات الواسطة بين الوجود والعدم ؛ فذهب جماعة من المعتزلة - منهم أبو هاشم « 4 » الجبائي وأصحابه ، ومن الأشعرية القاضي عبد الجبار وإمام الحرمين - إلى إثبات الواسطة بينهما وخالفهم باقي المتكلمين ؛ وقد طال التنازع والخصام بين الفريقين في هذه المسألة ، ونحن نحقّق الحال فيها إن شاء الله تعالى . فمن جملة « 5 » ما احتجّ به « 6 » من أثبت الواسطة بين الوجود والعدم بأن قالوا : الموجودات اشتركت « 7 » في الوجود وكل مشترك « 8 » في شيء لابدّ وأن يمتاز أحدهما عن الآخر بشيء ؛ فالاشتراك إذا كان في الوجود فالامتياز بينها إنّما يكون بماهياتها المخصوصة ، وما به الاشتراك مغاير لما به الامتياز ، فلا محالة وجود الأشياء مغاير « 9 » لماهياتها ؛ وذلك الوجود المغاير لا يخلو إمّا أن يكون موجودا أو معدوما « 10 » أو لا موجودا و « 11 » لا معدوما ؛ لا جائز أن يكون ذلك الوجود موجودا بوجود آخر ، وإلّا لزم أن يكون للوجود وجود آخر ، لكونه شارك الموجودات في الوجود ويلزم أن يكون ممتازا عنها بأمر آخر « 12 » ويلزم منه أن