وإذا كانت اللذّات الباطنة أفضل من الظاهرة الحسية ، فما قولك في اللذّات العقلية الروحانية « 1 » التي هي أفضل بكثير من اللذّات الباطنة بل لا نسبة لها إليها أيضا ؟ فظهر أنّ اللذّات العقلية والمثالية الحاصلة لأرباب السعادات الأخروية أفضل من اللذّات الحسية العامية التي يذكرها الجمهور . ويجب أن تعلم أنّ أشد ملتذ ومبتهج بذاته هو الواجب الوجود لذاته ، فإنّه أشدّ الأشياء إدراكا وأعظم مدرك لأجلّ مدرك ؛ فإنّ اللذة لمّا كانت إدراك ما وصل من كمال المدرك وخيره « 2 » إلى المدرك ، وكان الواجب لذاته هو الكمال الحقيقي والخير المطلق والوجود البحت وهو الذي يتشوّقه كل أحد - فإنّ الخير الذي هو الوجود أو كمال الوجود « 3 » هو الذي يتشوّقه الكل - فلا جرم كان الحق الأوّل الذي هو الوجود المحض والخير المطلق والكمال الحقيقي مدركا لذاته بذاته التي هي أتمّ الأشياء تعقلا وأشدّها إدراكا ؛ فيجب أن يحصل في ذاته المقدّسة لأجل ذلك التعقل الدائم من المسرات الروحانية والابتهاجات النورانية واللذات العقلية بكمال ذاته وجمال صفاته ، ما لا يدخل « 4 » تحت حدّ ولا يحيط به وصف ولا يمكن أن يعبّر عن كنهه « 5 » لسان ولا أن يتصوره خيال ؛ لأنّه تعالى وتقدّس يدرك ذاته على ما هي عليه من الكمال والجمال والبهاء والضياء وأنّها منبع للوجود ولسائر كمالاته فيكون لا محالة إدراكه أشد الإدراكات وأفضلها ؛ والمدرك الذي هو نفس ذاته أكمل الأشياء ذاتا وأتمّها ماهية وأجلّها حقيقة ؛ والمدرك وهو نفس ذاته « 6 » أيضا كذلك ؛ فالمدرك والمدرك والإدراك في حق الواجب لذاته والمجرّدات العقلية شيء واحد ؛ فصحّ أنّ الواجب الحق أشدّ الأشياء إدراكا وأعظم مدرك لأجلّ مدرك « 7 » ؛ له الكمال الأتمّ والخير الأعمّ فهو
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية — صفحة 605
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٦٠٥
هامش
( 1 ) . د : - وإذا كانت اللذات الباطنة أفضل . . . فما قولك في اللذات العقلية الروحانية .
( 2 ) . ن : وحده .
( 3 ) . د : - أو كمال الوجود .
( 4 ) . د : ما يدخل .
( 5 ) . ن : يعبّر عنه كهنه ؛ د : يعبّر عنه .
( 6 ) . ش : - أكمل الأشياء ذاتا وأتمّها ماهية وأجلّها حقيقة والمدرك وهو نفس ذاته .
( 7 ) . د : - لأجلّ مدرك .