فمن رام إدراك الأمور اللطيفة - كالبارئ تعالى والعقول والنفوس وعجائب أفعالها « 1 » - بالأفكار الكثيفة المفتقرة إلى القوى البدنية ، فقد رام إدراك الممتنع ؛ وكان كمن رام إدراك جميع الأعراض أو جميع الموجودات بالبصر وحده أو بالسمع ؛ ولم يخلق البارئ جلّ جلاله في عالمنا هذا ذلك ؛ بل أعدّ كل قوة لإدراك نوع من الموجودات لا يمكن تغيّره ولا تبديله :
« 2 » . فالنفس الناطقة من حيث تجرّدها تدرك المجردات « 3 » وتدرك باقي الموجودات - كل نوع - بواسطة قوة من القوى : فتدرك الألوان والأشكال والمقادير بواسطة البصر ؛ والأصوات بواسطة السمع ؛ والروائح بواسطة الشمّ ؛ والطعوم التسعة بواسطة الذوق ؛ والكيفيات الأربعة « 4 » بواسطة اللمس ؛ والمعاني الجزئية بواسطة الوهم ؛ وكذا البواقي . ومن لم يحصّل أنواع الحكمة على ما ذكرنا ولم يترقّ في درجاتها على ما وصفنا فهو حكيم زور وبهتان . وهذا هو أوان الشروع في تحرير الفنّ الطبيعي على ما يقتضيه البرهان الحقيقي ؛ ويوجبه الذوق الكشفي ؛ معطيا كل قاعدة من القواعد من البحث والنظر ما هو الأليق ؛ ومن الاستشهاد « 5 » بكلام الحكماء والمتألّهين ما هو الأخلق ؛ مستعينا في كل ذلك بواجب الوجود و « 6 » فائض الجود ، منوّر « 7 » الذوات وواهب الحياة . وينحصر مقصودنا من « 8 » هذا العلم في مقدمة وثمانية أقسام : القسم الأول ، النظر في الأمور العامة للأجسام وهي الهيولى والصورة و