والتعاون يجب أن يكون مختلفا ومتكافيا ، وإلّا لو كان « 1 » جميع أفراد النوع يحسنون « 2 » صنعة واحدة لرجع المحذور الأول . واختلاف السعادات من اختلاف العزائم ؛ فالحكمة الإلهية تقتضي تباين « 3 » الهمم والآراء ، وتفاوت الدواعي والأهواء ، واشتغال كل واحد بشغل وتعلّم صنعة وحرفة شريفة وخسيسة راض بما قسم له طيب « 4 » القلب بذلك ، واختلافهم في الغنى والفقر والكياسة والبلادة ؛ كل ذلك موجب النظام المشاهد ؛ إذ لو كان الكل أغنياء أو فقراء أو أذكياء أو غير ذلك لما خدم البعض البعض ولما استقام الأمر ؛ ولأجل ذلك قالت « 5 » الحكماء : لو تساوى الناس كلهم لهلكوا .
[ الحكمة المدنية ]
فثبت أنّه « 6 » لا بد من المعاونة وهي تحتاج إلى الاجتماع المسمّى ب « المدينة » الذي هو موضع اجتماع الحرف والصناعات الموجب للتعيّش . وقد قيل : إنّ الإنسان مدني بالطبع « 7 » . ولمّا كانت الدواعي والإرادات مختلفة متنوّعة ، فلو تركوا ، لاختار كل واحد لنفسه جميع المنافع والخيرات ، وأدّى « 8 » ذلك إلى التنازع والتغالب والفساد والهرج والمرج ؛ فاقتضت الحكمة الإلهية نوعا من التدبير والسياسة ، لا يتعداه الخلق ويرضى كل واحد بما أوجبه التدبير والسياسة ؛ وهذه هي المسماة ب « الحكمة المدنية » « 9 » .