أنهم لما رأوا قوى الأشياء الجزئية تتقدّم عليها بهذين المعنيين ، أعنى بالزمان « 1 » وبالسببية ، حكموا بذلك على أجزاء العالم حكما كليا . 21 - وهو مما يبين « 2 » إذا « 3 » تؤمل الأمر فيهما « 4 » حق التأمل ، ونظر فيهما من حيث هما طبائع أن الفعل متقدّم بهذين المعنيين على القوّة ، وذلك أنه قد تبين في العلم الطبيعي أن كل متغير فله مغيّر ؛ وذلك في أصناف التغيرات الأربع ؛ فإن القوّة يظهر من أمرها أنها ليس فيها كفاية أن تخرج إلى الفعل بذاتها . أما التغيرات « 5 » الثلاث ، أعنى التي في الجوهر والكمّ والكيف ، فالأمر فيها بيّن ، إذ كان المحرّك فيها والفاعل من خارج . وأما التغير « 6 » الذي في المكان ففي أمره تحير ؛ وقد لاح الأمر في ذلك في السابعة والثامنة من « السماع الطبيعي » « 7 » ، فهذا أحد ما يظهر من أمره « 8 » أن الفعل متقدّم على القوّة بالسببية وبالزمان « 9 » . وقد يظهر أيضا من أمر القوى الجزئية أن القوّة « 10 » وإن كانت متقدمة على الفعل بالزمان فهي متأخرة بالسببية ؛ وذلك أن الفعل هو كمال القوّة ، والذي من أجله وجدت « 11 » القوّة ، وهو السبب « 12 » الغائى لها ؛ فإنه ليس يمكن أن تمرّ الكمالات إلى غير نهاية ، وسنبين هذا « 13 » فيما بعد . 22 - وإذا كان ذلك كذلك ، فالفعل متقدّم على القوّة من جهة أنه سبب فاعلى وغائى « 14 » ، والسبب الغائى هو سبب الأسباب : إذ كانت تلك إنما توجد من أجله . وهذا التقدّم هو الذي ينبغي أن يعتبر ؛ فإن التقدم الزماني سواء كان بالقوّة أو بالفعل هو موجود للمتقدّم عليه بالعرض ، أعنى أن كون أسباب الشئ متقدمة
تلخيص كتاب ما بعد الطبيعة — صفحة 90
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٩٠
هامش
( 1 ) ق : بالزمن .
( 2 ) ت ، ق : تبين .
( 3 ) م : إذ .
( 4 ) ت : فيها .
( 5 ) ق : المتغيرات . ت : التغييرات .
( 6 ) ت : التغيير .
( 7 ) ق ، م : السماع .
( 8 ) ت ، ح : تظهر فيه .
( 9 ) م : وبالزمان . ت : والزمان . ق : والزمن .
( 10 ) ق : القوى .
( 11 ) وجدت : ناقصة من م .
( 12 ) ت : الفاعل .
( 13 ) ت : ذلك .
( 14 ) م : وغاء .