وما أشبهه ، فإن جميع ما به يلتئم وجوده « 1 » حادث عن الصناعة ، وراجع إلى الاختيار . ولأن هذه القوى الفاعلة منها ما هي في ذوات النفوس « 2 » ، ومنها ما ليس في ذوات النفوس « 3 » ؛ فبعضها إذن فاعلة بالطبع ؛ وبعضها فاعلة بشوق واختيار . وهذه منها ما هي ذوات نطق ، ومنها ما لا نطق له « 4 » . فالتي لا نطق لها « 5 » ، ولا شوق يخصّها « 6 » إنما تفعل « 7 » بالذات أحد الضدّين فقط ، كالحار يسخّن والبارد يبرّد ، وليس لها قوّة إلا على أحدهما فقط ؛ وأعنى بقولنا هاهنا « إلا « 8 » قوّة العدم » الذي هو رفع الشئ عما شأنه أن يوجد لغيره . 5 - وأما التي تفعل بالشهوة والاختيار فإن لها قوّة على فعل أيهما شاءت من الأضداد . ولذلك كانت الصنائع الفاعلة معرفة الأضداد فيها لعلم واحد ؛ مثال ذلك صناعة الطبّ ، فإن لها معرفة الصحة والمرض « 9 » ، إلا أن معرفة أحد الضدّين هو المقصود فيها بالذات ؛ وأما الضدّ الآخر ، فبضرب من العرض ، إذ كان ليس مقصود هذه الصنائع « 10 » أن تفعل الضدّين ، مثال ذلك صناعة الطبّ ، فإنها ليس تعلم المرض لتفعله ، وهي تعلم الصحة لتفعلها وتحفظها . 6 - وتخصّ « 11 » أيضا القوى الطبيعية أنها إذا لاقت مفعولاتها « 12 » فعلت باضطرار ، كالنار إذا لاقت الخشبة فإنها تحرقها ، ولا بدّ ؛ وليس يلزم في الأشياء التي تفعل بالشوق والاختيار أن تفعل - ولا بد - إذا لاقت مفعولاتها ، لأنه لو كان ذلك كذلك لفعلت الضدّين معا - إذ كان في طباعها فعلهما - أو تتمانع فلا تفعل « 13 » أصلا . ومن هنا يظهر أن الذي رجح فعل أحد الضدّين « 14 » قوّة أخرى ، وهي المسماة
تلخيص كتاب ما بعد الطبيعة — صفحة 81
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٨١
هامش
( 1 ) وجوده : ناقصة من ت ، ح .
( 2 ) ق : النفس .
( 3 ) ق : النفس .
( 4 ) م : لها .
( 5 ) لها : ناقصة من ت .
( 6 ) ت ، م : يخصها . ق : يحضها .
( 7 ) ت ، ح : إنها تفعل . م : إنها إنما تفعل .
( 8 ) ت ، م ، ح : لا . ق : إلا . وقد آثرنا قراءة ق .
( 9 ) ق : والطب .
( 10 ) ق : الصناعة .
( 11 ) ت ، ح : وتخص . ق : نخص .
( 12 ) ق : مفعولها .
( 13 ) ت : ولا تفعل .
( 14 ) ت ، ق ، ح : أحد فعلى الضدين .