القول : فإن الإنسان كثيرا ما تتبع أفعاله تخيلاته أكثر مما تتبع ظنه أو علمه ، لأنه كثيرا ما يكون ظنه أو علمه ، مضادا لتخيله فيكون فعله الشيء بحسب تخيله لا بحسب ظنه أو علمه ، كما يعرض عند النظر إلى التماثيل المحاكية للشيء وإلى الأشياء الشبيهة بالأمور .
وإنما تستعمل الأقاويل الشعرية في مخاطبة إنسان يستنهض لفعل شيء ما باستفزازه إليه واستدراجه نحوه : وذلك إما بأن يكون الإنسان المستدرج روية له ترشده فينهض نحو الفعل الذي يلتمس منه بالتخييل فيقوم ؟ ؟
التخييل مقام الروية ، وإما أن يكون إنسانا له روية في الذي يلتمس منه ، ولا يؤمن إذا روّى فيه أن يمتنع ، فيعاجل بالأقاويل الشعرية لتسبق بالتخييل رويته ، حتى يبادر إلى ذلك الفعل ، فيكون منه بالعجلة قبل أن يستدرك برويته ما في عقبى ذلك الفعل ، فيمتنع منه أصلا ، أو يتعقبه فيرى أن لا يستعجل فيه ويؤخره إلى وقت آخر . ولذلك صارت هذه الأقاويل الشعرية دون غيرها تجمل وتزين وتفخم ويجعل لها رونق وبهاء بالأشياء التي ذكرت في علم المنطق .
فهذه أصناف القياسات والصنائع القياسية ، وأصناف المخاطبات التي تستعمل لتصحيح شيء ما في الأمور كلها ؛ وهي في الجملة خمسة : يقينية ، وظنية ، ومغلّطة ، ومقنعة ، ومخيّلة .
وكل واحدة من هذه الصنائع الخمس لها أشياء تخصها ، ولها أشياء أخر تشترك فيها .
والأقاويل القياسية ، سواء كانت مركوزة في النفس أو خارجة بالصوت ، فهي مؤلفة : أما المركوزة في النفس فمن معقولات كثيرة مرتبطة مرتبة تتعاضد على تصحيح شيء واحد ؛ والخارجة بالصوت فمن ألفاظ كثيرة مرتبطة مرتبة تدل على تلك المعقولات وتساويها ، فتصير باقترانها إليها مترادفة ومتعاونة على تصحيح شيء عند السامع .
وأقل الأقاويل الخارجة هي مركبة من لفظين لفظين ؛ وأقل الأقاويل
معجم المصطلحات العلمية العربية — صفحة 92
مساهمون: فايز الداية
ص٩٢