جوهري بين الحكيمين ، ثم يرد هو عليه مستشهدا ببعض الكتب المنسوبة لهما ، أو في حالة غياب مثل هذا البرهان يعتمد على أدلة منطقية يستنبطها هو من نفسه أحيانا ، إذ انه وضع نصب عينيه انه يستحيل ان يكون هناك فرقا جوهريا بين هذين الامامين للفلسفة . فهذه عقيدة راسخة عنده ويوجه كل جهده لاثباتها بشتى الطرق .
وقد رقمنا هذه المسائل ، التي بلغ عددها ثلاث عشرة مسألة وجعلنا لكل واحدة منها عنوانا لتسهيل مطالعتها . وهذه المسائل تردّ في جملتها إلى مسائل : في السلوك وطريقة تدوين الكتب عند الحكيمين ، ثم مسائل منطقية ، وطبيعية ، وأخلاقية ، ومسائل ما بعد الطبيعة .
في المسألة الأولى : يبحث الزعم القائل ان طريقة حياة أفلاطون تختلف عن طريقة حياة أرسطو . فيرد قائلا : ان الاختلاف في طريقة معيشتهما راجع إلى أن طبيعة أفلاطون تختلف عن تكوين طبيعة أرسطو ، ولكن الاثنين متفقان بالتعاليم والمبادئ .
يوجد نقص في القوى الطبيعية في أفلاطون وزيادة فيها في أرسطو ، وهذا امر دارج بين الناس .
في المسألة الثانية : يقولون إن طريقة أفلاطون في تدوين الكتب ، وتأخيره في الكتابة ، واستخدامه الرموز ، تختلف عن طريقة أرسطو التي امتازت بالايضاح .
( لم يدوّن أفلاطون في بادئ الامر ، مقتديا بأستاذه سقراط الذي كان يعلم فقط ولم يكتب ابدا . وهذا الموقف من تدوين التعاليم الحكمية نجده أيضا عند امونيوس ساكاس ثم افلوطين الذي لم يدوّن شيئا قبل سن الخمسين ، ثم اذن لتلميذه فورفوريوس بالتدوين . وكان اعتقاد هؤلاء ان الورق والمداد لا يستحقان ان يحفظا هذه التعاليم التي يجب ان تودع وتحفظ في الصدور الطاهرة ) .
ويرد الفارابي على هذا القول بان أسلوب أرسطو لا يخلو من الغموض مثل أسلوب أفلاطون . ويأتي بأمثلة على ذلك من « رسالة أرسطو إلى الإسكندر » في سياسات المدن الجزئية ، إذ فيها من الايجاز ما يدل على الابهام .
ويعود الفارابي إلى ذات الموضوع في المسألة الرابعة إذ يذكر ان أرسطو رتّب كتبه بحيث لا يفهمها الّا أهلها ، وكان ذلك ردا على رسالة كان قد كتبها أفلاطون إلى أرسطو يعاتبه فيها على تأليفه وترتيبه العلوم .
اما في المسائل الخامسة والسادسة والسابعة ، فالبحث خاص بالمنطق وطريقة استخدامه ، ولا سيما طريقة أرسطو في استخدام القياس ( في المسألة الثالثة ) إذ يتهمون أرسطو انه يذكر مقدمتين لقياس ما ويتبعهما بنتيجة قياس آخر . ويقولون إن القسمة والتركيب في تحديد الجنس والفصل عند أرسطو غير واضحة ، بينما هذه القسمة ظاهرة
الجمع بين رأيي الحكيمين — صفحة 74
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٧٤