مقدمة تحليلية لكتاب الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو
لهذا الكتاب قيمة تاريخية كبرى ، إذ انه يوضح لنا مدى اطلاع الفارابي على الترجمات العربية لبعض الكتب الفلسفية اليونانية ، ولا سيما كتب أفلاطون وأرسطو ، ولو أنه اطلع أيضا على بعض « تاسوعات » افلوطين دون ان يعلم أنها له ؛ كما أن هذا الكتاب يبين لنا كيف استخدم الفارابي هذه الترجمات في التوفيق بين رأيي الحكيمين .
في مقدمة كتابه يذكر لنا الفارابي المسائل التي سيبحثها ، وهي المسائل التي يقال إن أفلاطون وأرسطو اختلفا فيها ، وهذه المسائل هي : ا - حدوث العالم وقدمه ، ب - اثبات المبدع الأول ووجود الأسباب عنه ، ج - امر النفس والعقل ، د - المجازاة على الافعال ، ه - كثير من الأمور المدنية والخلقية والمنطقية .
وهكذا رسم الفارابي الخطة التي سيسبر عليها في كتابه ، الّا انه لم يتبع هذا الترتيب في سياق العرض ، إذ انه يقدم بعض مسائل ويؤخر البعض الآخر .
وقبل ان يبحث هذه المسائل يعرّف الفلسفة بأنها « العلم بالموجودات بما هي موجودة » ، ثم يتساءل عن الأسباب التي جعلت « أكثر أهل زمانه » يقولون إن بين الحكيمين اختلافا جوهريا فيها .
يحصر الفارابي هذه الأسباب في ثلاثة افتراضات : ا - إما ان يكون تعريف الفلسفة غير صحيح ، ب - إما ان يكون رأي الأكثرية فيهما ( أفلاطون وأرسطو ) سخيفا ، ج - وإما من قال إن بينهما اختلافا فهو جاهل .
وقد قسمنا المقدمة إلى فقرات ، في كل فقرة رأي يستعرضه الفارابي ثم يفنده ويرده .
ثم يبدأ عرض المسائل التي يقال إن هنالك اختلافا فيها بين الحكيمين . وللفارابي طريقة في استعراض هذه المسائل : فإنه يورد أولا رأي من يقول بوجود اختلاف