إلى خدمة هذه الأوامر الداخلية ويخلص لتنفيذها في جميع امتداداتها من غير أدنى اعتبار للأشياء الخارجة وأن يكون دائما مستعدّا لأن يضحى لها بكل الضحايا التي تقتضيها . ذلك هو القانون الأعلى الذي يشعر الانسان بالخضوع له ولو أنه لا يعرف إلا نادرا أن ينفّذ مع التحرّج أحكامه الصارمة . ذلك هو المثل الأعلى الذي لا ينال والذي تتطلع إليه أنظار نفس الانسان . وإن كان يحيد عنه في الغالب إلا أن مرجعه إليه على الدوام . ذلك هو الأمر الواقع المسلم به الذي هو بسيط وجليل معا والذي يكوّن الأخلاقية كلها . هل الانسان وحده هو الذي يعرف هذا القانون ويملكه ؟
كل ما يهم من هذا هو أن الانسان يملكه حقا ، وذلك هو ما يميزه عن سائر الخليقة التي يعيش فيها والتي لا تتمتع بهذه الميزة .
إلى هذا الأمر يضاف أمر آخر ليس أقلّ منه وضوحا ولا أقلّ منه عجبا .
ان الانسان حيال هذا القانون الذي يناجى ضميره مناجاة علوّ وقدرة في بعض الأحيان يشعر دائما أنه يستطيع مقاومته ، فعبثا يوصيه هذا القانون أن يلزم العدل في فعله وعبثا يزكى العقل هذه الوصية ، فالإنسان قادر على أن يرفض تحت مسئوليته هذه النصائح القوية الحقة . ذلك لأن له بجانب ذكائه وعقله ملكة أخرى أقوى منهما بوجه ما ، لأنها تستطيع دائما - متى شاءت - أن تكسر نير طاعتها للعقل . تلك هي الإرادة التي لا تخضع لشئ إلا لنفسها . فوجود مثل هذه الملكة فينا وحلولها محلا من الاستقلال والسيادة في الدائرة الثانوية التي تخصها هو ما تستطيع اللاأدرية التحدّى به حينما تتهجم على الحق وعلى الذوق العام . غير أن ما نقوله هذا مجمع عليه من الجنس البشرى ، بل معترف به من جانب اللاأدرية نفسها ، إن لم يكن بأقوالها التي كان للسفسطة فيها شأن عظيم ، فبأفعالها التي منها ينبجس على رغمها وضوح المبدأ الذي
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 12
مساهمون: أرسطو
ص١٢