إنما هو منصرف في النظر إلى الحياة الدنيا من مكان رفيع والانقباض عن الدخول في غمارها والتثاقل عن المزاحمة على ما يتناحر الناس عليه عادة . وما نظن أرسطوطاليس مستثنى من هذا الميل العام مع أنه لم يكن كأفلاطون متسلبا من الثروة ومن العائلة . بل على الضدّ من هذا كان ذا مال وعيال . ذلك بأن أرسطو لم يعلم عنه هو أيضا أنه اشتغل بالذات في السياسة العملية أو تعصّب علنا لحكومة أو عليها سواء أكان ذلك في مقدونيا أم في آثينا ، وإن كان الآثينيون أوجسوا منه خيفة التعصب للمقدونيين بعد وفاة الإسكندر وأضمروا الانتقام منه لميله للمقدونيين كما سيجئ بعد . بل كل عمل أرسطو في السياسة ، على صداقته لفيلبس والإسكندر ، لا يكاد يتعدى السياسة النظرية . حق أن أرسطو قد خالف أستاذه كل المخالفة فقرر أن الإنسان حيوان اجتماعي . وبنى نظرياته السياسية على فصل الأوطان ، وهدى إلى استقلال المدائن بعضها عن بعض حتى لقد كان يظن أن الدولة لا يصح أن يزيد عدد أعضائها عن مائة ألف « 1 » مع أنه لا يرفض حكومة الملك . ليس معنى ذلك أنه يؤثر حكومة المستبد العادل . بل نظرا إلى أنه جعل الخير الأعلى في سعادة الجماعة كما جعله في سعادة الفرد لم يلتزم تفضيل شكل بذاته من أشكال الحكومة أيا كانت حال شعبها . بل آثر حكومة الملك في الشعوب التي اعتادت الاستعباد ، وبشرط أن يكون أساس هذه الحكومة هو الرعاية الأبويّة التي ينبغي أن يلتزمها الملك في حق رعاياه . أما في المدائن الحرة فإنه يرى وجوب اشتراك الأفراد في السلطان : بعضهم كما في الأرسطقراطية ، وكلّهم كما في الديمقراطية . وربما آثر الحكومة المختلطة من هذين الصنفين .
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة تصدير 29
مساهمون: أرسطو
صتصدير ٢٩
هامش
( 1 ) الأخلاق إلى نيقوماخوس ك 9 ب 10 ف 3 ج 2 ص 316