يشفق عليه شفقة عميقة ، ويحبه حبا لا يقنط معه من شفائه . وقد يزين الإفراط في الكرم لأفلاطون أن يقنع نفسه بأن ذلك المذنب قد سقط في الإثم على رغمه .
ولا شك في أن الرأفة أسهل منالا حينما يعتقد الانسان أن الجريمة لم تكن عمدا ، ومادرى الحكيم أن قلبه خدعه في هذه النظرية الفاسدة . وأما ثانيا فان له في الطبيعة الانسانية فكرة سامية جدّا إلى حدّ أنه لا يستطيع أن يتصوّر أنها خليقة بإتيان الشر عمدا . بل هو يفترضها مخلوقة للعلم والفضيلة لا غير . ويرى الجهل والرذيلة تشوّها غير ممكن تقريبا ، فلا يريد أن يصدق أن العقل يمكنه البتة أن يقبل مختارا ضيفي سوء مثلهما .
لا شك في أن هذه إحساسات ممدوحة ، ولكن قد يكون من الخطر أن يجاوز بها إلى أبعد مما ينبغي ، بل اللازم هو أن تراقب النتائج التي يمكن أن تنتج عنها بغاية اليقظة .
فالقول بأن الإثم ليس البتة اختياريا انما هو القول بأن لا إثم أبدا ، لأن الاجرام لا يمكن أن ينحصر إلا في الإرادة . وما لم يرد الانسان ، لا يكون مسؤولا عما عمل .
ويكون من الظلم البين الحكم عليه في جريمة ليس له فيها قصد البتة . ومهما كانت الفعلة شديدة الضرر ، فإنها غير مسندة إلى شخص ما . يمكن أن يؤسف لها ولكن لا يمكن العقاب عليها . يجرّح أفلاطون بمذهبه هذا من حيث لا يشعر تشريعه الذي عنى جهده بوضعه ، فعلام إذن هذا التعداد الطويل الدقيق للجرائم والعقوبات ؟
وليس ثمّ بعد جرائم بالمعنى الخاص ، فلا يصح كذلك أن يكون ثم عقوبات .
والحق الواضح هو أن الناس لسوء الحظ أنكروا صوت العقل تحت تأثير المنفعة أو الشهوة . إنه كان يتكلم ولكنه لم يجد لقوله مصغيا . إنه كان يدين العمل السيئ الذي يقدم المرء على ارتكابه ، ولكن الإرادة التي كان يمكنها أن تخضع له استحبت
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 45
مساهمون: أرسطو
ص٤٥