الأوّل « 1 » .
لقد ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ الإسراف والتبذير قد يردان بمعنى واحد ، ومن ثمّ فقد يرد أحدهما ويراد به الآخر ، من ذلك ما ذكره الماورديّ من أنّ التّبذير هو الإسراف المتلف للمال « 2 » ، وروى أشهب عن مالك أنّ التّبذير هو الإسراف « 3 » . وذكر القرطبيّ في تفسير قوله تعالى
وَلا تُبَذِّرْ
قال :
( معناه ) لا تسرف في الإنفاق في غير حقّ « 4 » ، وقال ابن كثير في نفس الآية الكريمة : لمّا أمر اللّه عزّ وجلّ بالإنفاق نهى عن الإسراف فيه « 5 » .
والخلاصة أنّ بين الأمرين عموما وخصوصا إذ قد يجتمعان فيكون لهما المعنى نفسه أحيانا وقد ينفرد الأعمّ وهو الإسراف .
حكم التبذير :
نقل عن الإمام مالك - رحمه اللّه - أنّ التّبذير حرام لقوله تعالى :
إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ
( الإسراء / 27 ) « 6 » .
وقال القرطبيّ : من أنفق درهما في حرام فهو مبذّر ، ويحجر عليه في نفقته الدّرهم في الحرام ، ولا يحجر عليه إن بذله في الشّهوات إلّا إذا خيف عليه النّفاد « 7 » .
وأبو حنيفة - رحمه اللّه - لا يرى الحجر للتّبذير ، وإن كان ( حراما ) منهيّا عنه ، وذكر الماورديّ أنّ التّبذير هو الإسراف المتلف للمال ، وأنّ المبذّر يحجر عليه للآية الكريمة ( السّابقة ) ، ومن واجب الإمام منعه منه ( أي التّبذير ) بالحجر والحيلولة بينه وبين ماله إلّا بمقدار نفقة مثله « 8 » .
الفرق بين الجود والتبذير :
يتجلّى الفرق بين الأمرين في أن الجواد حكيم يضع العطاء مواضعه ، وأنّ المبذّر ( أو المسرف ) كثيرا ما لا يصادف عطاؤه موضعه ، فالجواد من يتوخّى بماله أداء الحقوق الواجبة عليه حسب مقتضى المروءة من قرى الضّيف ، ومكافأة المهدي ، وما يقي به عرضه على وجه الكمال ، طيّبة بذلك نفسه راضية مؤمّلة للخلف في الدّنيا والآخرة ، والمبذّر ينفق بحكم هواه وشهوته من غير مراعاة مصلحة ولا تقدير ، ولا يريد أداء الحقوق « 9 » .
[ للاستزادة : انظر صفات : الإسراف - السفاهة شرب الخمر - الميسر - اللهو واللعب - التفريط والإفراط .
وفي ضد ذلك : انظر صفات : التوسط - الجود - الكرم - محاسبة النفس - السخاء - مجاهدة النفس ] .
هامش
( 1 ) الكليات للكفوي 1 / 172 ، وانظر أيضا التعريفات للجرجاني 23 ، 24 .
( 2 ) البحر المحيط 6 / 27 .
( 3 ) تفسير القرطبي 10 / 247 .
( 4 ) السابق ، الصفحة نفسها .
( 5 ) تفسير ابن كثير 3 / 39 .
( 6 ) تفسير القرطبي 10 / 247 .
( 7 ) السابق ، 10 / 248 .
( 8 ) تفسير البحر المحيط لأبي حيان 6 / 23 .
( 9 ) فضل اللّه الصمد 1 / 533 ( هامش 1 ) .