الخامس : بمعنى سمع الحقّ تعالى المنزّه عن الجارحة والآلة المقدّس عن الصّماخ « 1 » والمحارة
وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً
( النساء / 134 )
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
( البقرة / 224 )
إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ
( سبأ / 50 ) « 2 » .
وقد اقتصر ابن الجوزيّ على وجهين اثنين هما :
الأوّل : إدراك السّمع للمسموعات ، ومنه قوله تعالى :
رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ
( آل عمران / 193 ) ، وقوله - عزّ من قائل - :
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ
( الأحقاف / 29 ) .
الثّاني : سماع القلب ، وهو قبوله للمسموع ، ومنه قوله تعالى :
ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ
( هود / 20 ) ، وقوله - عزّ وجلّ - :
وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً
( الكهف / 101 ) « 3 » .
منزلة السماع :
قال ابن القيّم - رحمه اللّه تعالى - أمر اللّه بالسّماع في كتابه . وأثنى على أهله . وأخبر أنّ البشرى لهم ، فقال تعالى
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا
( المائدة / 108 ) . وقال
وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا
( التغابن / 16 ) .
وقال
وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ
( النساء / 46 ) . وقال :
فَبَشِّرْ عِبادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ
( الزمر / 17 - 18 ) . وقال
وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا
( الأعراف / 204 ) . وقال
وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ
( المائدة / 83 ) .
وجعل السّماع منه والسّماع منهم دليلا على علم الخير فيهم ، وعدم ذلك دليلا على عدم الخير فيهم . فقال :
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ
( الأنفال / 23 ) .
وأخبر عن أعدائه : أنّهم هجروا السّماع ونهوا عنه . فقال
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ
( فصلت / 26 ) .
فالسّماع رسول الإيمان إلى القلب وداعيه ومعلّمه . وكم في القرآن من قوله
أَ فَلا يَسْمَعُونَ ؟
وقال
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ؟
( الحج / 46 ) الآية .
فالسّماع أصل العقل ، وأساس الإيمان الّذي انبنى عليه . وهو رائده وجليسه ووزيره . ولكنّ الشّأن كلّ الشّأن في المسموع . وفيه وقع خبط النّاس واختلافهم . وغلط منهم من غلط .
أنواع السامعين :
وأصحاب السّماع ، منهم : من يسمع بطبعه ونفسه وهواه . فهذا حظّه من مسموعه : ما وافق طبعه .
ومنهم : من يسمع بحاله وإيمانه ومعرفته
هامش
( 1 ) الصّماخ : الخرق الذي يفضي إلى الرأس ، والمحارة للأذن جوفها .
( 2 ) بصائر ذوي التمييز : ( 3 / 257 ) وما بعدها .
( 3 ) نزهة الأعين النواظر ( 346 ) .