فيكون قد نظر لنفسه وسعى في غرض نفسه ، وذلك ينقص عن كمال معنى الرّحمة . بل كمال الرّحمة أن يكون نظره إلى المرحوم لأجل المرحوم ، لا لأجل الاستراحة من ألم الرّقّة .
أمّا الرّحمن فهو أخصّ من الرّحيم ، ولذلك لا يسمّى به غير اللّه ، عزّ وجلّ . والرّحيم قد يطلق على غيره ، ولذلك جمع اللّه ، عزّ وجلّ ، بينهما ، فقال :
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى
( الإسراء / 110 ) . فيلزم من هذا الوجه أن يفرّق بين معنى الاسمين فمن ثمّ يكون المفهوم من الرّحمن نوعا من الرّحمة هي أبعد من مقدورات العباد ، وهي ما يتعلّق بالسّعادة الأخرويّة . فالرّحمن هو العطوف على العباد ، بالإيجاد أوّلا ، وبالهداية إلى الإيمان وأسباب السّعادة ثانيا ، وبالإسعاد في الآخرة ثالثا ، والإنعام بالنّظر إلى وجهه الكريم رابعا .
وقال ابن القيّم - رحمه اللّه تعالى - : الرّحمة سبب واصل بين اللّه - عزّ وجلّ - وبين عباده ، بها أرسل إليهم رسله ، وأنزل عليهم كتبه ، وبها هداهم ، وبها يسكنهم دار ثوابه ، وبها رزقهم وعافاهم وأنعم عليهم ، فبينهم وبينه سبب العبوديّة ، وبينه وبينهم سبب الرّحمة « 1 » .
من معاني كلمة « الرحمة » في القرآن الكريم :
وقد وردت الرّحمة في القرآن على أوجه منها :
1 - بمعنى أرزاق الإنسان والحيوان :
لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي
( الإسراء / 100 ) .
2 - بمعنى قطرات ماء الغيث ( المطر ) :
وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ
( الشورى / 28 ) .
3 - بمعنى العافية من الابتلاء والامتحان :
أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ
( الزمر / 38 ) .
4 - بمعنى النّجاة من عذاب النّيران :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ *
( النور / 10 ، 14 ، 20 ، 21 ) .
5 - بمعنى النّصرة على أهل العدوان :
أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً
( الأحزاب / 17 ) .
6 - بمعنى الألفة والمحبّة بين أهل الإيمان :
وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً
( الحديد / 27 ) .
7 - بمعنى ( وصف ) الكتاب المنزّل على موسى :
وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً
( هود / 17 ) .
8 - بمعنى الجنّة دار السّلام والأمان :
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
( الأعراف / 56 ) .
9 - بمعنى صفة الرّحيم الرّحمن :
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
( الأنعام / 54 ) « 2 » .
الرحمة تقتضي الحزم لا الإهمال :
قال ابن القيّم - رحمه اللّه تعالى - : إنّ الرّحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد ، وإن كرهتها نفسه وشقّت عليها . فهذه هي الرّحمة الحقيقيّة .
فأرحم النّاس من شقّ عليك في إيصال مصالحك ودفع المضارّ عنك . فمن رحمة الأب بولده : أن يكرهه على التّأدّب بالعلم والعمل ، ويشقّ عليه في
هامش
( 1 ) التفسير القيم ص 35 .
( 2 ) بصائر ذوي التمييز للفيروز آبادي ( 2 / 55 - 58 ) . باختصار .