تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 649

مساهمون:

ص٦٤٩
اللّغة صدقت ، كما يقال : كذبت . وأمّا لفظ الإيمان فلا يستعمل إلّا في الخبر عن غائب ، ولهذا يقال للشّهود صدّقناهم ولا يقال آمنّا لهم ، ذلك أنّ الإيمان مشتقّ من الأمن ( أو الأمانة ) ولذلك فهو يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر ، ولم يستعمل لفظ آمن له في القرآن إلّا في هذا النّوع ، والاثنان إذا اشتركا في معرفة الشّيء ، يقال صدّق أحدهما صاحبه ولا يقال آمن له لأنّه لم يكن غائبا عنه ، وعلى ذلك قوله سبحانه :
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ
أي يصدّقهم فيما أخبروا به ممّا غاب عنه ، وهم مأمونون « 1 » عنده على ذلك فاللّفظ متضمّن مع التّصديق معنى الائتمان والأمانة . ( ومن وجوه الفرق أيضا ) أنّ لفظ الإيمان في اللّغة لم يقابل بالتّكذيب كما قوبل به لفظ التّصديق ، وإنّما قوبل به لفظ الكفر . يقال : هو مؤمن أو كافر ، والكفر لا يختصّ بالتّكذيب ، لأنّ قائلا لو قال : أعلم أنّك صادق لكن لا أتّبعك ، بل أعاديك وأبغضك . . . لكان كفره أعظم ، فلمّا كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التّكذيب فقط ، وإنّما يكون تكذيبا ومخالفة وامتناعا بلا تكذيب ، ولمّا كان الأمر كذلك لزم أن يكون الإيمان تصديقا مع موافقة وموالاة وانقياد لا مجرّد التّصديق ، وهنا يكون الإسلام جزء مسمّى الإيمان ، كما كان الامتناع مع التّصديق جزء مسمّى الكفر ، ومن ثمّ وجب أن يكون كلّ مؤمن مسلما منقادا للأمر وهذا هو العمل . ومن وجوه الفرق أيضا ما قال به بعضهم ( بعض اللّغويّين ) من أنّ الإيمان أصله في اللّغة من الأمن الّذي هو ضدّ الخوف ، وعلى ذلك يكون معنى آمن : صار داخلا في الأمن وأنشدوا على ذلك بيت النّابغة « 2 » :
المؤمن العائذات الطّير يمسحها * ركبان مكّة بين الغيل والسّبد
وإذا سلّمنا بأنّ الإيمان أصله التّصديق ، فهو تصديق مخصوص كما أنّ الصّلاة دعاء مخصوص ، والحجّ قصد مخصوص ، والصّيام إمساك مخصوص ، وهذا التّصديق له لوازم تدخل في مسمّاه عند الإطلاق ، لأنّ انتفاء اللّازم يقتضي انتفاء الملزوم « 3 » .

الإيمان ومكارم الأخلاق :

يقول ابن تيميّة - رحمه اللّه تعالى - : لفظ الإيمان إذا أطلق في القرآن والسّنّة يراد به ما يراد بلفظ البرّ ، وبلفظ التّقوى ، وبلفظ الدّين . وقد بيّن صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ الإيمان بضع وسبعون شعبة ، أفضلها قول لا إله إلّا اللّه وأدناها إماطة الأذى عن الطّريق ، فكان كلّ ما يحبّه اللّه يدخل في اسم الإيمان « 4 » ، وإذا كان الإيمان أصله الإيمان الّذي في القلب ، وأنّه لا بدّ فيه من شيئين : الأوّل تصديق بالقلب وإقراره ومعرفته وهذا هو التّوحيد ، والآخر عمل القلب وهو
هامش
( 1 ) في الأصل ( 292 ) « وهو مأمون عنده على ذلك » والسياق يقتضي ما أثبتناه . ( 2 ) في الفتاوى « وأنشدوا . . ثم بياض » في الأصل لم يستطع المحقق إكماله ، وقد أكملناه بفضل اللّه تعالى اعتمادا على ما ذكرته المصادر الأخرى . ( 3 ) بتلخيص وتصرف من الفتاوى ( 7 / 286 - 297 ) . ( 4 ) المرجع السابق ( 7 / 179 ) .
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 649 | صالح حميد / عبد الرحمن ملوح