الإغاثة واجب إسلامي أصيل :
إنّ تقديم العون والنّصرة لمن يحتاج إليها سلوك إسلاميّ أصيل ، وخلق رفيع تقتضيه الأخوّة الصّادقة ، وقد كانت حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خير مثال يحتذى فيما يتعلّق بإغاثة المظلوم أو الملهوف ، وتقديم العون لكلّ من يحتاج إليه ، وقد عرف بذلك حتّى قبل البعثة المباركة ، وعندما قال للسّيّدة خديجة - رضي اللّه عنها - « لقد خشيت على نفسي » أجابته في ثقة واطمئنان « كلّا واللّه ما يخزيك اللّه أبدا ، إنّك لتصل الرّحم ، وتحمل الكلّ ، وتكسب المعدوم وتقري الضّيف ، وتعين على نوائب الحقّ » « 1 » ، وكأنّه قد استقرّ في الطّباع السّليمة أنّ صنائع المعروف تقي مصارع السّوء ، وأنّ من أغاث النّاس وأعانهم لابدّ من أن يغيثه ربّه ويعينه ، فالجزاء من جنس العمل . وبعد الإسلام أصبحت الإغاثة واجبا ينهض به القادرون وعملا من أعمال الخير يتنافس فيه المتنافسون ، وأصبح من الحقائق المسلّمة عندهم أنّ « من كان في حاجة أخيه كان اللّه في حاجته » « 2 » كما أخبرهم بذلك المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم وحثّهم عليه . وقد كان الصّحابة - رضوان اللّه عليهم - مضرب المثل في تقديم الغوث لمن هم في حاجة إليه . ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما حدث في عام الرّمادة « 3 » ، عندما أصاب النّاس جدب في المدينة وما حولها وكان ذلك في العام الثّامن عشر للهجرة في خلافة عمر بن الخطّاب - رضي اللّه عنه - الّذي قال : « اللّه أكبر ، بلغ البلاء مدّته فانكشف . وكتب إلى أمراء الأمصار » . « أغيثوا أهل المدينة ومن حولها » « 4 » وكان عمرو بن العاص واليا على مصر فأرسل يجيبه : إنّه سيصلهم غوث لا انقطاع له .
ولقد قام المسلمون - أخيرا - بجزء من واجبهم في هذا السّبيل فكوّنوا هيئة الإغاثة الإسلاميّة .
إنّ المؤمنين بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّه ، ألم يأن لهم أن يوقظوا هذا الخلق الإسلاميّ الرّفيع ، ويحيوا سنّة نبيّهم ومجد أسلافهم فيتقدّموا طائعين راضين بتقديم الغوث لإخوان لهم شرّدتهم الحروب ، ويتّمت أطفالهم ورمّلت نساءهم الهجمات الشّرسة من القوى الصّليبيّة والصّهيونيّة والإلحاديّة ، إنّ على المسلمين ألّا يتركوا إخوانهم فريسة في أيدي من لا يرجون للّه وقارا ، أولئك الّذين يقدّمون باسم الإنسانيّة بعض ما يفيض عندهم صدقة وإحسانا ، إنّنا لسنا في حاجة إلى « إنسانيّة » هؤلاء الّذين يمدّون العدوّ بالسّلاح ليقتل ويشرّد ثمّ يقدّمون لنا فائض الغذاء أو الدّواء - فقط - إذا أثخنتنا الجراح ، ما أحوج المسلمين
هامش
( 1 ) البخاري - الفتح 1 ( 3 ) ، وانظر الحديث بتمامه في الأحاديث الواردة في الإغاثة معنى / حديث رقم ( 9 ) .
( 2 ) انظر الحديث رقم ( 11 ) .
( 3 ) وسمي عام الرمادة لأن المدينة كانت تسفي إذا ريحت ( أي أصابتها الريح ) ترابا كالرماد .
( 4 ) راجع أحداث عام الرمادة في تاريخ الطبري ( 4 / 96 - 101 ) تحقيق أبي الفضل ، ط . دار سويدان ، بيروت .