تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
فراش ، قد أثّر الرّمال بجنبه ، متّكىء على وسادة من أدم حشوها ليف . فسلّمت عليه ، ثمّ قلت وأنا قائم طلّقت نساءك ؟ . فرفع بصره إليّ فقال : « لا » . ثمّ قلت وأنا قائم أستأنس : يا رسول اللّه ، لو رأيتني وكنّا معشر قريش نغلب النّساء ، فلمّا قدمنا على قوم تغلبهم نساؤهم . فذكره . فتبسّم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ثمّ قلت : لو رأيتني ودخلت على حفصة . فقلت : لا يغرّنّك أن كانت جارتك هي أوضأ منك وأحبّ إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ( يريد عائشة ) ، فتبسّم أخرى . فجلست حين رأيته تبسّم . ثمّ رفعت بصري في بيته ، فواللّه ما رأيت فيه شيئا يردّ البصر غير أهبة « 1 » ثلاث ، فقلت : ادع اللّه فليوسّع على أمّتك ، فإنّ فارس والرّوم وسّع عليهم وأعطوا الدّنيا وهم لا يعبدون اللّه . وكان متّكئا فقال : « أو في شكّ أنت يا بن الخطّاب ؟ أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم في الحياة الدّنيا » . فقلت : يا رسول اللّه استغفر لي . فاعتزل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة ، وكان قد قال : ما أنا بداخل عليهنّ شهرا ، من شدّة موجدته « 2 » عليهنّ حين عاتبه اللّه . فلمّا مضت تسع وعشرون دخل على عائشة فبدأ بها ، فقالت له عائشة : إنّك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا وإنّا أصبحنا بتسع وعشرين ليلة أعدّها عدّا فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « الشّهر تسع وعشرون » ، وكان ذلك الشّهر تسعا وعشرين . قالت عائشة : فأنزل آية التّخيير ، فبدأ بي أوّل امرأة . فقال : « إنّي ذاكر لك أمرا ، ولا عليك أن لا تعجلي حتّى تستأمري أبويك » . قالت : قد أعلم أنّ أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقك - ثمّ قال : « إنّ اللّه قال :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ
- إلى قوله -
عَظِيماً
( الأحزاب / 28 . 29 ) . قلت : أفي هذا أستأمر أبويّ ، فإنّي أريد اللّه ورسوله والدّار الآخرة . ثمّ خيّر نساءه . فقلن مثل ما قالت عائشة ) * « 3 » . 33 - * ( عن سعيد بن المسيّب ، عن أبيه - رضي اللّه عنهما - قال : لمّا حضرت أبا طالب الوفاة ، جاءه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فوجد عنده أبا جهل ، وعبد اللّه ابن أبي أميّة بن المغيرة . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا عمّ قل : لا إله إلّا اللّه . كلمة أشهد لك بها عند اللّه » . فقال أبو جهل وعبد اللّه بن أبي أميّة : يا أبا طالب ! أترغب عن ملّة عبد المطّلب ؟ . فلم يزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يعرضها عليه ، ويعيد له تلك المقالة ، حتّى قال أبو طالب آخر ما كلّمهم : هو على ملّة عبد المطّلب . وأبى أن يقول : لا إله إلّا اللّه ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أما واللّه لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنك » . فأنزل اللّه - عزّ وجلّ - :
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ
( التوبة / 113 ) .
هامش
( 1 ) أهبة : بحركات جمع إهاب على غير قياس ، وهو الجلد من البقر والغنم والوحش ما لم يدبغ . ( 2 ) موجدته : أي حزنه . ( 3 ) البخاري - الفتح 5 ( 2468 ) .