تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١
وصل الجيش الإسلامي إلى الطائف في حدود نهاية الأسبوع الثالث من شهر شوال ، فباشروا إحكام الحصار حول حصون العدو مدة أسبوعين ، وكان نزولهم أول الأمر قريبا من حصون العدو وعلى مرمى سهامهم مما أدى إلى سقوط عدد من الشهداء وجرح عدد آخر منهم ، ثم تحول المسلمون وعسكروا في الموضع الذي بنى فيه المسجد « 1 » ، وكان القتال تراشقا بالسهام في أول الأمر ، ثم استخدم المسلمون « الدبابة » بهدف الوصول إلى الأسوار وثقبها آمنين من السهام ، ولكن ثقيفا فطنت للأمر فألقت عليهم قطع حديد محمّاة أحرقت الدبابة وحين خرج المقاتلون المسلمون منها ، ضربوهم بالسهام فقتلوا بعضهم . . واستخدم المسلمون المنجنيق لرمي التحصينات بالحجارة بهدف هدمها وإيقاع إصابات في قوات العدو في الوقت نفسه ، غير أن قلة هذه الآلات وعدم وجود خبراء في استعمالها وإجادة التهديف بها جعل أثرها محدودا . « 2 » ولذلك فقد وجد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن أفضل وسيلة للضغط على ثقيف هي في تهديد مواردها الاقتصادية الحيوية المتمثلة في بساتينها ، فأمر صلّى اللّه عليه وسلّم بتحريق بساتين الأعناب والنخيل في ضواحي الطائف ، مما كان له أثره الكبير في كسر معنوياتهم ، فناشدوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يدعها للّه وللرحم ، فاستجاب لهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعد أن تحقق الهدف المنشود « 3 » . ونادى منادي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عبيد الطائف قائلا : أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر » ، فنزل إليهم ثلاثة وعشرون عبدا ، منهم أبو بكرة نفيع بن الحارث الثقفي ، فأسلموا ، فأعتقهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولم يعدهم إلى ثقيف بعد إسلامهم « 4 » . غير أن كل ذلك لم يؤثر كثيرا في عناد ثقيف التي صمدت بوجه الحصار ، ورغم ما واجهته من وابل السهام التي أمطرها بها المسلمون لينالوا بها درجة من الجنة وعدهم بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد تمكنت ثقيف من إيقاع إصابات شديدة بالمسلمين فقد كثرت الجراحات بينهم واستشهد منهم اثنا عشر شهيدا ، وكل ذلك مقابل ثلاثة قتلى في صفوف ثقيف التي كانت ممتنعة بالحصون والأسوار العالية « 5 » . أورد الإمام البخاري رواية صحيحة تدل على أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن يستهدف من غزو الطائف وحصارها تحقيق فتحها ، وإنما أراد أن يكسر شوكة ثقيف ، ويجعل للمسلمين اليد العليا عليهم في وصولهم إليها ومحاصرتها في عقر دارها حيث عرفها أن بلادها - الطائف - هي في قبضة المسلمين وأنهم سيدخلونها متى شاءوا ذلك ، « 6 » ويظهر أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يرغب في أن يشق على المسلمين ويكثر من تقديم الشهداء منهم لفتح بلدة صغيرة حصينة تحيط بها ديار الإسلام من كل صوب ، إذ لم يكن لثقيف رغم عنادها وصمودها إلا الإسلام أو الاستسلام ،
هامش
( 1 ) مسلم - الصحيح 2 / 736 ، أحمد - المسند 3 / 157 ، وانظر رأي الحافظ ابن كثير - البداية والنهاية 4 / 356 ، ابن هشام - السيرة 2 / 478 . ( 2 ) ابن هشام - السيرة 2 / 478 - 483 برواية ابن إسحاق . ( 3 ) البيهقي - السنن الكبرى 9 / 84 ، الشافعي - كتاب الأم 7 / 323 . ( 4 ) البخاري - الصحيح 5 / 129 ، أحمد - المسند 1 / 236 ، ابن حجر - فتح الباري 8 / 46 ، الصنعاني - المصنّف 5 / 301 ، ابن سعد - الطبقات 2 / 158 - 159 ، وانظر ابن هشام - السيرة 2 / 485 . ( 5 ) البخاري - الصحيح 8 / 20 ، ابن هشام - السيرة 2 / 486 - 487 ، الواقدي - المغازي 3 / 929 - 30 . ( 6 ) البخاري - الصحيح 5 / 128 ، 9 / 113 .