والعجب والخيلاء ونحو ذلك من أمراض القلوب ، وقد حذّرنا المولى سبحانه من عاقبة النعماء ، خاصة إذا تعلّق الأمر بالأموال والأولاد أو الأزواج ، فقال عزّ من قائل :
وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
« 1 » ، وقال سبحانه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
« 2 » . وقد أجملت الإشارة إلى النوعين جميعا ( الابتلاء بالشر والابتلاء بالخير ) الآية الكريمة :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ
« 3 » .
4 - الابتلاء بالطاعات :
كما يبتلى الإنسان بالمعصية لتتاح له فرصة التوبة والاستغفار ونحو ذلك ، فإنه يبتلى أيضا بالطاعات ليشكر ربه على ما هداه إليه ، وإلى هذا أشارت الآيات الكريمة
وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ
« 4 » .
وقد أشارت إلى هذين النوعين من الابتلاء ( الابتلاء بالمعصية أو السيئات ، والابتلاء بالطاعة أو الحسنات ) الآية الكريمة :
وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
« 5 » . وقد ضرب القرآن الكريم في قصة ابني آدم ( قابيل وهابيل ) أروع مثلين للابتلاء بالطاعة والمعصية ، حيث كان أحدهما يمثل أقصى حالات الطاعة والتقوى ، والآخر يمثل أقصى حالات المعصية المتمثلة في القتل ، تأمل قوله تعالى :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ
« 6 » .
ابتلاء التكليف وابتلاء الفتنة :
وبالتمعن في هذه المظاهر الأربعة للابتلاء فإنه يمكن إرجاعها إلى مظهرين اثنين : الأول : ابتلاء التكليف ويشمل الابتلاء بالحسنات أو السيئات ، بالطاعات أو المعاصي ، يقول اللّه تعالى فيما يتعلق بهذا النوع الأول :
إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
« 7 » ، والآخر : ابتلاء الفتنة ، ويشمل الابتلاء بالسراء أو الضراء ، يقول اللّه تعالى في هذا النوع :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ
« 8 » .
هامش
( 1 ) الأنفال / 28 .
( 2 ) التغابن / 14 - 15 .
( 3 ) الأنبياء / 35 .
( 4 ) الصافات / 104 - 106 .
( 5 ) الأعراف / 168 .
( 6 ) المائدة / 27 - 30 .
( 7 ) الإنسان / 2 - 3 .
( 8 ) الأنبياء / 35 .