فيا قبر النّبيّ وصاحبيه * ألا يا غوثنا لو تسمعونا
ألا صلّى إلهكم عليكم * ولا صلّى على الأمراء فينا « 1 »
والغريب أن نجد ما وصلنا من شعر قليل ، يذكر فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، يعود إلى التقاليد القديمة في مدحه ، وهذا المدح يصح في غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولولا القرينة مثل ورود اسم النبي الكريم أو تصريح صاحب الكتاب الذي ذكر الشعر ، أن هذه الأبيات أو تلك في مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما عرفنا فيمن تقال ، وكان من المفروض أن يتابع الشعراء ما بدأه متقدموهم في حياة النبي الأمين ، ويسيروا به إلى الأمام ، حين ظهرت الآثار الدينية في مدحهم للرسول الكريم ، وحين أخذوا في معرفة الطريقة التي يخاطبون بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والتي يمدحون بها نبيا يختلف عن باقي الناس ويفضلهم .
فلو لا تصريح صاحب الحماسة أو شارحها أن أبا دهبل الجمحي « 2 » يمدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الأبيات التالية ، لما عرفنا فيمن تقال :
إنّ البيوت معادن فنجاره * ذهب وكلّ بيوته ضخم
عقم النّساء فما يلدن شبيهه * إنّ النّساء بمثله عقم
متهلّل بنعم بلا متباعد * سيّان منه الوفر والعدم
نزر الكلام من الحياء تخاله * ضمنا وليس بجسمه سقم « 3 »
وبعد ذلك لم يرد مدح النبي الكريم إلا في معرض المساجلة والمفاخرة بالانتساب إليه ، وفي الحجاج المشتد بين الأحزاب السياسية ، الذي تنازع فيه المتخاصمون حول
هامش
( 1 ) شعر النابغة الجعدي ص 210 .
( 2 ) أبو دهبل الجمحي : وهب بن زمعة بن أسد القرشي ، أحد الشعراء العشاق ، له مدائح في معاوية وعبد اللّه بن الزبير ، توفي نحو ( 63 ه ) . ابن قتيبة : الشعر والشعراء ص 389 .
( 3 ) شرح ديوان الحماسة : 4 / 75 .