فالوعظ ظاهر في هذه الأبيات ، وفيها دعوة إلى التقى والعمل الصالح ، والتزوّد لليوم الآخر ، وأين الأعشى الجاهلي ، شاعر الخمر ، الذي ردّته قريش - كما روي - عن الوصول إلى النبي الهادي وأغرته بالمال ، وحذرته من أن الإسلام يحرّم الخمر ، الذي يعيش الشاعر من أجله وفي أجوائه ، أين هو من الوعظ والتذكير باليوم الآخر .
هذا التوجه الديني في قصيدة الأعشى هو الذي جعل ابن نباته « 1 » يلحق قصيدة الأعشى بالمدائح النبوية ، ويسميها نبوية ، فيقول عنه : « ومن محاسن شعره ، قوله في القصيدة النبوية » « 2 » .
ومن أمثلة ذلك أيضا ما قيل عن شعر أبي طالب ، ومدحه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقد نصّ ابن سلام « 3 » على أن أبا طالب كان : « شاعرا جيد الكلام ، أبرع ما قال قصيدته التي مدح فيها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . . . وقد زيد فيها وطوّلت . . وسألني الأصمعي « 4 » عنها ، فقلت صحيحة جيدة ، قال : أتدري أين منتهاها ؟ قلت : لا » « 5 » .
والقصيدة هي :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلّاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل
هامش
( 1 ) ابن نباتة : محمد بن محمد الجذامي الفارقي ، شاعر عصره وأحد الكتاب المترسلين العلماء بالأدب ، تولّى كتابة السر ، له عدة كتب وديوان شعر . توفي سنة ( 768 ه ) . الدرر الكامنة : 4 / 216 .
( 2 ) ابن نباته : سرح العيون ص 417 .
( 3 ) ابن سلام : محمد بن عبد اللّه الجمحي ، إمام أهل البصرة في الأدب ، من مؤلفاته : طبقات فحول الشعراء . الحموي ، ياقوت : معجم الأدباء 18 / 204 .
( 4 ) الأصمعي : عبد الملك بن قريب بن علي الباهلي ، راوية العرب وأحد أئمة العلم باللغة والشعر ، اقتبس علوم البادية ، وله مؤلفات كثيرة منها ( الأضداد ) و ( الأصمعيات ) توفي سنة ( 216 ) ه ابن خلكان : وفيات الأعيان : 1 / 170 .
( 5 ) ابن سلام : طبقات الفحول الشعراء ص 244 .