تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
وقد أظهر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الصبر والمصابرة ومن الجلد والأخلاق الكريمة ما جعله محط أنظار العرب جميعا ، الذين آمنوا برسالته ، والذين لم يؤمنوا ، ومنحه اللّه تعالى من مواهبه ما بهر نفوس القوم وأخذ بعقولهم ، فلم يختلف اثنان على تقدمته والإشادة بشخصه الكريم ، واتجهت إليه قرائح الشعراء ، مادحة مثنية ، ولم يتح لشعراء المشركين الانتقاص من أخلاقه وقدره ، وكل ما فعلوه هو مهاجمة دعوته من منطلق الخوف على الامتيازات والمكانة ، والتعصب الأعمى لباطلهم الموروث . وكان الشعر يحتل في نفوس العرب محلا عظيما ، وكان فنهم الأول ، فهو عندهم أكثر من وسيلة إعلامية ، إنه مستودع أفكارهم ومشاعرهم ومثلهم ، فكان لا بد من أن يكون له في شأن الدعوة الإسلامية وجود وأثر . بيد أن الإسلام أراد للشعر العربي غير ما كان عليه ، أراده أداة للبناء لا للهدم وأراده منسجما مع المجتمع الجديد الذي يدعو إليه ، فأشيع لذلك أن الإسلام حارب الشعر ، ونفرّ الناس منه ، وهذا لا يسلم عند التدقيق ، فالإسلام استبعد من الشعر ما يثير الضغائن والمفاسد ، وما يجانب الحق ، وأراد للشعراء أن يحترموا أنفسهم وفنهم ، وهذا ما يظهر من الآية الكريمة التي هاجمت الشعراء الذين يزينون الباطل ، ويفسدون الذمم والعقول
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ : أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا . .
« 1 » . وهنالك أحاديث شريفة ، تنتقص من الشعر الذي يحمل القيم الجاهلية ويدعو إليها ، وقد مرّ معنا الحديث الذي يتعلق بالمادحين الكاذبين ، وهنالك حديث آخر هو « لئن امتلاء جوف أحدكم قيحا ، خير له من أن يمتلئ شعرا » « 2 » .
هامش
( 1 ) سورة الشعراء ، آية 224 . ( 2 ) صحيح البخاري : 7 / 109 ، وصحيح مسلم : 4 / 1769 .
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي — صفحة 58 | محمود سالم محمد