تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي — صفحة 541

مساهمون:

ص٥٤١
إن ظهور القصائد الطويلة في المدح النبوي جعل بعض النقاد يتسائلون عما إذا كانت المدائح النبوية قد قدمت الشكل الشعري الأقرب إلى الملاحم بعد القصائد التاريخية والسير الشعبية ، في حين أنكر بعض الباحثين وجود الملاحم أو ما يقاربها في الأدب العربي . ففي المدح النبوي عناصر كثيرة تلتقي مع فن الملحمة ، فيه يمتزج العالم الواقعي بالعالم الروحي ، وفيه عرض لحروب بطولية خارقة ، وفيه قيم إنسانية نبيلة ، وفيه سرد لأحداث الدعوة الإسلامية ، ولحياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولنشوء الأمة وصراعها مع الأمم الآخرى ، وفيه تجسيد للإنسان الكامل ، والبطل الإنساني المطلق ، والمثل الأعلى للإنسانية ، وهذه كلها من عناصر الملحمة ومقوماتها . فالمدائح النبوية حملت روح التغيير في الشعر العربي ، لكن تجسيدها كان ضمن الحدود المعروفة والشكل الخارجي للقصيدة العربية ، فلم تكن ملامح الملحمة على وضوحها عند غير العرب ، وليس مهما أن تكون لدينا ملاحم متطابقة مع فن الملاحم عند الأمم الآخرى ، ولكن المهم أن العبقرية العربية لم تكن قاصرة على إبداع مثل هذا الفن ، وألا يعد غيابه قصورا في التفكير ، وجفافا في القريحة ، وضيقا في الأفق . فإن لم تكن هذه القصائد ملاحم بالمفهوم المعروف لها ، فلتكن ملاحم عربية ، ولتكن لها شخصيتها المستقلة مثلما للأمة شخصيتها المستقلة ، ولتكن الفن الذي يقابل الملاحم عند الأمم الآخرى . وكان للمدح النبوي أثر وتأثر بالبديع الذي كان سائدا في ذلك العصر ، فالبديع ظهر بدرجات متفاوتة في قصائد المدح النبوي ، وطغى على بعضها ، فأحالها إلى ما يقرب من المنظومات التعليمية ، وكان من نتائج الإغراق في الصنعة البديعية عند شعراء المدح النبوي ، ظهور لون خاص من المدائح النبوية ، هو البديعيات ، التي جمعت بين المدح النبوي وفنون البديع ، فتم بذلك المزاوجة بين أكثر فنون الشعر انتشارا وبين الصنعة