وأفاد الناس أيضا من مجادلة شعراء المدائح النبوية لأهل الكتاب ، معرفة بأصول دياناتهم ، والتقائها أو افتراقها عن الدين الإسلامي ، وردّوا افتراآت الغزاة على الدين الإسلامي الحنيف ونبيه الكريم .
هذه ملامح من أثر المدائح النبوية الاجتماعي ، وإلى جانب ذلك كان للمدائح النبوية أثر تعليمي تجلّى في المعلومات التاريخية والدينية ، وصور البطولة والعظمة ، والمواقف الأخلاقية الفذة ، والقدوة الحسنة ، والدروس المفيدة ، التي حفلت بها المدائح النبوية ، ولا بد أن الناس أفادوا منها تاريخا وخلقا ومعرفة بسيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومعجزاته ، وأنهم حاولوا الاقتداء بسنّته والابتعاد عمّا يخالفها .
لقد نقل شعراء المدح النبوي المقاصد الدينية إلى الشعر ، وتابعوا الدين في توجيه الناس ، وإرساء روح الجماعة بينهم ، ومحاربة العادات السيئة والأوضاع الخاطئة ، وتقديم القدوة من حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وسيرته . ووضعوا المعلومات الدينية والتاريخية في قالب الشعر الذي يصل إلى كل الناس ، ويسهل حفظه ، فأوصلوا إلى معاصريهم المعاني الإنسانية والنفسية والاجتماعية ، ومقومات الأمة ومثلها العليا ، التي أكسبتها شخصيتها لتتوارث وتستمر .
وظهر للمدح النبوي أثر في الشعر العربي آنذاك ، تجسد في وجوه عدة ، منها رسوخه غرضا شعريا مستقلا ، وأخذه حيّزا كبيرا من الشعر المنظوم في ذلك العصر ، وتأثيره في أغراض الشعر الآخرى .
وكان الشعراء يرون للمدح النبوي تأثيرا في شعرهم وشاعريتهم ، فهو من ناحية يدخل السرور والطمأنينة إلى النفوس المؤمنة ، ويشعرها بالارتياح ، فيأتي شعرها رائقا .
بعيدا عن أدواء الشعر ، وهو من ناحية ثانية يجعل شعرهم منتشرا بين الناس ، ويشهرهم ، ولذلك يحرصون على إجادته والاحتفال به ، كيلا ينحدروا في نظمه
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي — صفحة 539
مساهمون: محمود سالم محمد
ص٥٣٩