ويمضي ابن هشام في شرحه ، فيستفيض في النحو ومسائله ، واللغة وأمثلتها ، مستشهدا على ما يذهب إليه بالقرآن الكريم والشعر العربي القديم ، فيستغرق شرح البيت الواحد عشر صفحات .
وقد أصبح هذا الشرح مصدرا لشرّاح قصيدة كعب بن زهير الذين جاؤوا بعده ، فمنهم من تابعه في اتجاهه اللغوي ، ومنهم من أخذ شيئا من هذا الاتجاه ، واتسع في الشرح ليشمل المعاني والسيرة والقضايا الدينية التي يقتضيها الحديث .
أما بردة البوصيري ، فإنها نالت من الشروح والتفاسير ما لم تنله قصيدة في الشعر العربي ، فبروكلمان عدّد لها تسعة وسبعين شرحا بلغات مختلفة ، إضافة إلى عدد من ترجماتها إلى اللغات الأوروبية والفارسية والتترية « 1 » .
وكذلك الأمر مع همزيته ، التي نالت اهتمام الشّراح وإقبالهم ، وقد حصر بروكلمان ثمانية عشر شرحا في عصور متلاحقة « 2 » .
ومن أمثلة شرح البردة ما وضعه عليها أبو شامة المقدسي ، وسار فيه على النحو التالي :
أمن تذكّر جيران بذي سلم * مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
« قبل الخوض في الشرح ، نشير إلى عدة أمور ، يليق ذكرها بالمقام ، منها أن عادة شعراء العرب جرت بأنهم يبتدئون في مطالع قصائدهم بذكر لوازم العشق . . .
الجيران : جمع جار ، والسلم : نوع من الشجر ، وذي سلم : مكان . . .
والبيت في تأويل المصدر ، معطوف على تذكر ، أي من هبوب الريح . . . » « 3 » .
هامش
( 1 ) بروكلمان : تاريخ الأدب العربي 5 / 82 .
( 2 ) المصدر نفسه : 5 / 98 .
( 3 ) أبو شامة : شرح قصيدة البردة ، ورقة 42 .