إن في شعر المدح النبوي عناصر كثيرة تلتقي مع عناصر الملحمة ، وإن كان في الملحمة ( يمتزج الواقع بالأسطورة ، وتختلط الملائكة بالجن ، والآلهة بالبشر ، والعقائد بالخرافات ، والواقع بالخوارق ) « 1 » .
وعندما نظمت الشعوب الآخرى ملاحمها ، لم تكن تفرق بين الجن والآلهة ، ولم تكن تفصلهم عن البشر ، ولم تكن تعتقد أن هذا واقع وهذا خارق للواقع ، وأن هذه عقيدة صحيحة ، وهذه خرافة ، بل كل ما أتت به في الملاحم كانت تعتقد به اعتقادا جازما ، ولذلك إذا انطلقنا من وجهة نظر الأمم حين نظمت ملاحمها ، فإننا نلتقي معها - من حيث المبدأ - في بعض صور المدح النبوي .
والمتمعن في شعر المدح النبوي يجد بعض شعرائه قد ذهبوا في حديثهم عن الغيبيات كل مذهب ، حتى ليحار المسلم أمام ما يوردونه من روايات غيبية ، ومن عقائد غريبة ، استمدوها من الأديان الآخرى والفلسفات الأجنبية .
وفي الملاحم المعروفة يكون « استخدام غير المعقول في الملحمة في الأحداث العرضية ، أما الموضوع الأساسي ، فلا يسمح فيه » « 2 » .
وقيل عن الطور الذي تنشأ فيه الملاحم : « كثير من الأمم في هذا الطور كان يعتقد أن الملك يستمد سلطانه من اللّه ، لا من الأمة . . ويصبح هذا الحاكم المتصل بالآلهة والأبطال الماضين رمزا تنسج حوله أقاصيص التقديس والتبجيل . . ومن هنا ينشأ شعر القصص أو شعر الملاحم » « 3 » .
يكاد الباحثون يجمعون على أن الأدب العربي خال من هذا الفن ، فذهبوا إلى أن « ممّا يؤسف له أننا لا نستطيع هنا أن نتحدث عن الملحمة في الشعر العربي ، لأن المحقق -
هامش
( 1 ) غريب ، جورج : الشعر الملحمي ص 6 .
( 2 ) أرسطو : فن الشعر ص 67 .
( 3 ) أحمد أمين : قصة الأدب 1 / 15 .