تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
إنه يريد أن يقول : إن الطلل كان بيتا معمورا مثل شكل حرف الصاد الذي يتمثّل به للبيت المعمور ، لكن أيدي البلى حولته إلى خراب ، فأضحى شكله مثل شكل حرف الشين ، الذي يتمثل به للييت الخرب ، فكم من الناس يعلم هذه الحقيقة ؟ وهل ضاقت الدنيا عن مثل يمثّل به لشكل الطلل ، فلا يجد غير الكتابة وشكل الحروف ؟ أظن أنه أراد تقليب تشبيه القدماء لآثار الديار بالكتابة التي انمحت معالمها ، لكنه تقليب متكلف لم يرق إلى إبداع القدماء وفق ظروفهم . إلا أن للبوصيري صورا رائعة إلى جانب ما تقدم ، منها تشبيهه لحال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع باقي الأنبياء ، وأنه أصل نبوّتهم ، وهذا تجسيد لفكرة الحقيقة المحمدية ، في قوله :
إنّما مثّلوا صفاتك للنّا * س كما مثّل النّجوم الماء « 1 »
ووصفه لبني هاشم ، أهل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيه إبداع ، حين جعلهم دوحة أنبتت أغصانها علما ودينا ، وأفنان الدوحة عادة تنبت الثمار والأزهار ، فخلط في صورته بين المادي والمعنوي بتنسيق موفق حين قال :
واصطفى محتده من دوحة * أنبتت أفنانها علما ودينا « 2 »
وأبدع في وصف شجاعة المسلمين وغضبهم لدين اللّه ، حين جعل الموت يغضب لغضبهم ، فقال :
يغضب الموت إذا ما غضبوا * وإذا ما غضبوا هم يغفرونا « 3 »
فالبوصيري معتدل في صوره ، لا يجنح إلى التعقيد ، ولا يشتط في بنائها على
هامش
( 1 ) ديوان البوصيري : ص 49 . ( 2 ) المصدر نفسه : ص 259 . ( 3 ) الشهاب محمود : أهنى المنائح ص 119 .