وديّان يوم الدّين يبرز عرشه * ويحكم بين الخلق والحقّ أبلج
فطائفة في جنّة الخلد خلّدت * وطائفة في النّار تصلى فتنضج « 1 »
هذه المشاهد ، والتي هي من مضمون المدحة النبوية ، أطلقت لشعراء المدائح النبوية الخيال ، فاتسعوا في فنون التشبيه والاستعارة ، واستحضروا مشاهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومواقعه ، وبعثوا الحياة فيها ، مثل قول الشهاب محمود في مدحة نبوية :
وكأنّي بين هاتيك الرّبا * أنظر الأملاك والصّحب الكراما
وأرى في المسجد الهادي ومن * خلفه أصحابه الغرّ قياما « 2 »
فالشاعر عندما وصل إلى المعاهد النبوية المشرّفة ، حلّق بخياله إلى الزمن الذي كانت تشهد فيه حركة الصحابة الكرام والملائكة الأبرار ، وكان فيه مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عامرا بنوره ، يحيط به أصحابه .
وأفاض شعراء المديح النبوي في التشبيه والتخيل في قصائدهم ، يوضحون من خلاله معانيهم ، ويزيدونها عمقا وتأثيرا ، ومنهم البوصيري الذي بدا مغرما بالتشبيه والتمثيل في مدائحه النبوية ، ومن ذلك قوله :
واقطع حبال الأماني التي اتّصلت * فإنّما حبلها بالزّور موصول
فإنّ أرواحنا مثل النّجوم لها * من المنيّة تسيير وترحيل
فلو ترى كلّ عضو من كماتهم * مفصّلا وهو مكفوف ومشكول
كأحرف أشكلت خطا فأكثرها * بالطّعن والضّرب منقوط ومشكول
هامش
( 1 ) ديوان البرعي ص 211 .
( 2 ) الشهاب محمود : أهنى المنائح ص 28 .