الصنعة الخيالية :
ولو أتينا إلى الخيال في المدح النبوي ، لوجدناه متّسعا ، حلّق فيه شعراء المدائح النبوية إلى آفاق رحبة ، وسبحوا في عالم الملكوت ، وخاصة أصحاب الميول الصوفية منهم ، الذين رحلوا بأرواحهم إلى عالم الغيب والشهادة ، فجسدوه برموزهم وإشاراتهم التي تستغلق على من لم يسر في طريقتهم ، وتذوق مواجدهم ، ومثال ذلك قول العفيف التلمساني في حديثه عن دعوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للناس إلى الهدى :
نادى قريشا خصوصا والأنام به * يعني عموما فصمّوا في مناديه
ما أقبح الشّكل في مرآة أعينكم * إذ كلّكم شخصه فيها يلاقيه
تا للّه لو صدقت منكم عزائمكم * عن كلّ قصد صحيحات دواعيه
إذا لشاهدتم بي حقائقكم * ما يدرك الميّت المعنى فيحييه
فصار ما كان قبحا في نواظركم * حسنا يدين بدين العشق واليه « 1 »
وكذلك الأمر في الحديث عن اليوم الآخر ، إذ اعتمد الشعراء على ما جاء في القرآن الكريم والحديث الشريف من وصف ليوم القيامة ، ولما سيجري به ، إضافة إلى الروايات الغيبية التي حملت بعض شعراء المدح النبوي إلى التحليق بخيالهم إلى مشاهد ذلك اليوم العظيم وتخيّله ، مثل قول البرعي :
وللمرء يوم ينقضي فيه عمره * وموت وقبر ضيّق فيه يولج
ويلقى نكيرا في السّؤال ومنكرا * يسومان بالتّنكيل من يتلجلج
ولا بدّ من طول الحساب وعرضه * وهول مقام حرّه يتوهّج
هامش
( 1 ) ديوان العفيف التلسماني ، ورقة 214 .