تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
وإذا نظرنا إلى مشاركة الشعراء الكبار في العصر المملوكي ، والذي عرفوا بولعهم بفنون البديع ، وجدنا شعرهم حافلا بضروب الصنعة التي تثقل أحيانا ، لكنهم ظلوا محافظين على وضوح المعنى بشكل عام ، وظل ظلّ الصنعة قاصرا على أبيات بعينها ، ولم يغط القصيدة كلها . ومن أمثلة هذا الأسلوب المتصنع قول ابن نباتة في مدحة نبوية :
ولي سعاد شجون ما يغبّ لها * إما خيال وإلا فهو تخييل
أبكي اشتياقا إليها وهي قاتلني * يا من رأى قاتلا يبكيه مقتول
مسكيّة الخال أمّا ورد وجنتها * فبالجنى من عيون النّاس مبلول
مصحّح النّقل عن شهد وعن برد * لأنه منهل بالرّاح معلول « 1 »
فالصنعة هنا هي هاجس الشاعر ، وهو يفكر في مدح سيد الخلق ، أو أنه استحضر هذه الصنعة عند مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ظانا أنه يحسن عملا ، فيصطنع ألفاظ البديع ، ويضمّن شعر القدماء ، ويستخدم مصطلحات العلوم وغير ذلك من الأمور التي رآها ورآها معاصروه فنا عظيما ، وإثباتا لمقدرة الشاعر البلاغية أو البديعية . ولننظر كيف يتلاعب بالألفاظ في مدحة نبوية ثانية ، فيقول :
شجون نحوها العشّاق فاؤوا * وصب ماله في الصّبر رآء
وعين دمعها في الحبّ طهر * كأنّ دموع عيني بيرحاء
ولاح ماله هاء وميم * له من صبوتي ميم وهاء
كأنّ الحبّ دائرة بقلبي * فحيث الانتهاء الابتداء
هامش
( 1 ) ديوان ابن نباتة : ص 372 .