أما البوصيري ، فإن ذكره للحقيقة المحمدية لم يكن واسعا ، ولم يرد في مدائحه النبوية إلا ثلاث مرات ، أوضحها في معرض مدح النبي الكريم وذكر معجزاته ، والدلالة على قربه من ربه ، ورسوخه في النبوة ، قال :
كان سرّا في ضمير الغيب من * قبل أن يخلق كون أو يكونا
أسجد اللّه له أملاكه * يوم خرّوا لأبيه ساجدينا
ودعا آدم باسم المصطفى * دعوة قال لها الصّدق آمينا « 1 »
فالبوصيري شدد على قدم النور المحمدي ، وعلى استمرار هذا النور في آباء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منذ بداية الخلق ، وعلى عظم قدر هذا النور عند اللّه تعالى ، ولم يعط تفصيلات أكثر لنظرية الحقيقة المحمدية .
وهذه المعاني وردت عند الصرصري ، ولم يزد عليها شيئا غير التصريح بأن اسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان مكتوبا على العرش عند خلق آدم عليه الصلاة والسلام ، فقال في إحدى مدائحه النبوية ، وهو يعدّد خصائصه صلّى اللّه عليه وسلّم :
ورأى بعينيه على العرش اسمه * فدعا به حين استقلّ بذنبه « 2 »
فالصرصري يذكر رواية غيبية عن بداية الخلق ، فيها كتب اللّه اسم رسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم على العرش ، وتوسل آدم باسم النبي الكريم لينال مغفرة اللّه تعالى ، وقدم نبوة رسول اللّه التي تتقدم على خلق آدم ووضع النور المحمدي في جبهة آدم ، لينتقل بعد ذلك في آباء رسول اللّه الكرام حتى تجسّد بشخصه الكريم ، وهذه كلها صور من صور الحقيقة المحمدية .
هامش
( 1 ) ديوان البوصيري : ص 258 .
( 2 ) ديوان الصرصري : ورقة 9 .