وأفاضوا في ذكر المقدسات ، معبرين عن عواطفهم الدينية ومشاعرهم الروحية ، وانتشر هذا الأسلوب من التعبير ، فلا يكاد يخلو ديوان شاعر منه في ذلك الوقت ، وانتقلوا به من التوجه الديني إلى توجهات أخرى ، أهمها الغزل الذي قرن به في هذا الموضع ، وإن كان هنا رمزيا ، فإن الغزل الآخر الذي ذكر الشعراء معه الأماكن المقدسة لم يكن رمزيا ، فقد أضحت أسماء الأماكن الحجازية ذات ظلال محببة إلى النفوس ، وإيحاآت مثيرة للشجون ، يقوى بها الغزل ويؤثر ، فالتلعفري « 1 » الذي أدمن الخمر وتعاطى القمار ، يقول في مقدمة موشح غزلي :
ليس يروي ما بقلبي من ظما * غير برق لائح من إضم
إن تبدّى لك بان الأجرع * وأثيلات النّقا من لعلع
يا خليلي قف على الدّار معي * وتأمّل كم بها من مصرع
واحترز واحذر فأحداق الدّمى * كم أراقت في رباها من دمي « 2 »
وكأن ذكر الأماكن المقدسة تعويض عن ذكر الأطلال والوقوف عليها ، فلم يعد من المناسب أن يقف الشاعر على أطلال لم يعرفها ولم يرها ، فساقه الاتجاه الأدبي السائد إلى الديار التي انتشر ذكرها ، وهي الديار المقدسة .
ويظهر هذا التوجه بوضوح في غزل البهاء زهير « 3 » ، فلا ندري ما هي الظلال التي تلقيها كلمات مثل البان والحمى في شعره ، وهل هي نفسها الظلال التي تتركها في النفس حين تستخدم في غير هذا الموضع من قوله :
هامش
( 1 ) التلعفري : محمد بن يوسف بن مسعود الشيباني : شاعر تنقل بين مدن الشام ، ابتلي بالقمار ، له ديوان شعر ، توفي سنة ( 672 ه ) . ابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب 3 / 349 .
( 2 ) ديوان التلعفري ص 37 .
( 3 ) البهاء زهير : زهير بن محمد بن علي المهبلي ، شاعر كاتب ، رقيق الشعر ، خدم الملك الصالح أيوب ، له ديوان شعر ، توفي سنة ( 581 ه ) . ابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب 5 / 276 .