فإن كنت في شك مما أقول ، فدونك فاستعرض قصائد هذا الكتاب ، وإنما هي قطوف منوعة لشعراء مختلفين في المذهب والسلوك ، متدرّجين في العصور والتاريخ ، تجد مصداق ما أقول ، وتشعرّ بزفرة الصدق في ثنايا كلام كل منهم .
ثم انظر إلى شعر البوصيري ، على سبيل المثال ، وقارن بينه إذ كان يمدح به أمراء عصره ، طمعا في مغنم أو انتجاعا لرزق ، وبينه إذ اتجه به إلى مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، تجد هناك التكلف الممجوج ، والمعاني المفتعلة المصنّعة ، وتجد هنا الرّفاء والرّصانة العجيبين ، حتى لكأنّ شعره ينتشي ويطرب من ذاته ، ثم تجد نفسك مأخوذا بمشاعر اللوعة الصادقة تسري في سائر جمله وكلماته ! . . اصغ إليه وهو يقول :
يا رحيما بالمؤمنين إذا ما * ذهلت عن أبنائها الرّحماء
يا شفيعا في المذنبين إذا أش * فق من خوف ذنبه البرآء
جد لعاص ، وما سواي هو العا * صي ، ولكن تنكّري استحياء
كلّ يوم ذنوبه صاعدات * وعليها أنفاسه صعداء
أو ثقته من الذنوب ديون * شدّدت في اقتضائها الغرماء
ما له حيلة سوى حيلة المو * ثق إمّا توسل أو دعاء
راجيا أن تعود أعماله السّو * ء بغفران اللّه وهي هباء
أو ترى سيآته حسنات * فيقال استحالت الصّهباء
ولن أزيد عليك بعد هذه الأبيات وزخم المشاعر التي فيها ، أي شيء . بل سأتركك مع واحة الشعر ، تتنقّل من قصيد إلى قصيد ، لترى مصداق ما أقول .
الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي