وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
[ النور : 55 ] .
وقريب من ذلك الأحاديث المنبئة عن الفتن .
إنّ الرجل الخبير بالأسواق لا يلبث - بعد استعراض يسير لأحوالها - حتى يصدر حكما صائبا عليها ، والخبير بطوايا النّفوس يستطيع من نظرة خاطفة أن يستشف ما وراءها ، ويستكشف خباياها ، ومن ذلك قول الشاعر :
والألمعيّ الذي يظنّ بك الظنّ * كأن قد رأى وقد سمعا
وكان محمد عليه الصلاة والسلام خبيرا بالنفوس ومعادنها ، والدنيا وأطوارها ، والزمان وتقلّبه ، والأديان الأولى وما عانت وعانى رجالها وهم يشقون طريقهم في الحياة ، وعقول الأنبياء من ورائها فطر مجلوة ، وإلهام لمّاح ، فكيف بشيخ الأنبياء الذي تعهده القدر من نشأته ليحمل رسالة معجزتها في أسلوبها ، وأسلوبها يقوم على ترقية الفطر وتفتيق الألباب ! ! .
إنّ هذا يجعله أشد الناس تقديرا للواقع ، وانتظارا لما يفد به ، هل يستطيع السائر في مناطق الشمال أن يقدّر خلوّ الجوّ من الضباب الداكن ؟ ! أو هل يستطيع السائر في مناطق خط الاستواء ألا يتوقع عواصف القيظ ؟ ! فكيف يليق بصاحب دين خطير أن يتناسى الفتن العارضة لتعاليم دينه ولرجاله ، ما قرب منها وما بعد ، ما ظهر منها وما بطن ؟ ! .
لذلك كثر كلام الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن الفتن ، وليس القصد الإخبار عنها ، بل التحذير منها ؛ تحدّث عن الفتن التي تلحق الأشخاص من اختلاف أفكارهم وتنافر أمزجتهم ، وتحدّث عن الفتن التي تصيب القلوب من إقبال الدنيا والتحاسد عليها ، وتحدّث عن الفتن التي تصيب الأمّة بعد أن يثوب الكفر من هول الهزائم التي مني بها ، ويتماسك مرة أخرى بعد ما انحلّت عراه ، فكان أن خوّف أصحابه من ذلك كله في أحاديث يطول سردها .
وأخطر هذه الفتن ما يصيب تعاليم الإسلام نفسها من ذبول واضمحلال .
فالصلاة تفقد روحها ، وهو الخشوع ، ثم يتاكل جسمها فتتحوّل نقرا سخيفا .