حجة الوداع
استقرار :
زالت غبرة الجاهلية عن افاق الجزيرة كما تزول بقايا الليل أمام طلائع الشروق ، وصحّت العقول العليلة فلم تعد تخشى وترجو إلا اللّه ، بعد ما ظلّت دهورا تعبد أصناما جامدة ، وسمع الأذان للصلوات يشقّ أجواز الفضاء خلال الصحراء التي أحياها الإيمان الجديد ، وانطلق القرّاء شمالا وجنوبا يتلون آيات الكتاب ، ويقيمون أحكام اللّه ، ويعلّمون العرب ما لم يعلموا هم ولا اباؤهم .
إنّ هذه الجزيرة - منذ نشأ فوقها عمران - لم تهتزّ بمثل هذه النهضة المباركة ، ولم يتألّق تاريخها تألّقه في هذه الأيام الفريدة من عمرها .
وكان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في المدينة يستقبل الوفود ، ويشيّعها بعد ما ينفخ فيها من روحه الكبير ، ويزودها بحكمته الباهرة ، فتعود من حيث أتت ؛ لتنشئ في مواطنها القصية معاقل للإسلام وصحائف بيضا في تاريخ أمة .
ولم يكتف النبي صلى اللّه عليه وسلم بترقّب الوفود المقبلة ، بل أرسل رجاله الكبار إلى الجنوب ليزيد رقعة الإسلام هناك اتساعا .
فإنّ في اليمن وما حولها قبائل كثيفة العدد ، ولأهل الكتاب السابقين نشاط قديم ، وقد نشأ الإسلام هناك حقا وتقلّص ظل الفرس لغير عودة .
إلا أنّ هذه البقاع النائية تحتاج مزيدا من رعاية وتفقّد .
ومن ثمّ بعث النبيّ صلى اللّه عليه وسلم خالد بن الوليد ، ثم معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري ، ثم عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنهم أجمعين « 1 » .
وكأنّ هاتفا خفيا انبعث في قلب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يشعره أنّ مقامه في الدنيا يوشك على النهاية ! فإنّه بعد أن علّم معاذ بن جبل كيف يدعو من يلقاهم ، وكيف
هامش
( 1 ) بعث هؤلاء الأربعة في صحيح البخاري : 8 / 49 - 57 .