ودعوة سعد الأخيرة تصوّر مبلغ ما انطوت عليه قلوب المسلمين من غيظ لخيانة يهود ، وتمزيقها المعاهدة القائمة .
ومسلك بني إسرائيل بإزاء المعاهدات التي أمضوها قديما وحديثا يجعلنا نجزم بأنّ القوم لا يدعون خستهم أبدا ، وأنهم يرعون المواثيق ما بقيت هذه المواثيق متمشية مع أطماعهم ومكاسبهم وشهواتهم ، فإذا أوقفت تطلّعهم الحرام نبذوها نبذ النواة ، ولو تركت الحمير نهيقها ، والأفاعي لدغها ، ما ترك اليهود نقضهم للعهود . وقد نبّه القران إلى هذه الخصلة الشنعاء في بني إسرائيل ، وأشار إلى أنّها أحالتهم حيوانات لا أناسي ، فقال :
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 55 ) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ
( 56 ) [ الأنفال ] .
ونقل سعد إلى خيمة بالمسجد لتقوم على تمريضه إحدى المؤمنات الماهرات .
وجاء المسلمون إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسألونه : هل من شيء نقوله ؟ فقد بلغت القلوب الحناجر ! قال : « نعم ؛ اللهمّ استر عوراتنا ، وامن روعاتنا » « 1 » .
وعن عبد اللّه بن أوفى : دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الأحزاب فقال : « اللهم منزل الكتاب ، سريع الحساب ، اهزم الأحزاب ، اللهم اهزمهم ، وانصرنا عليهم » « 2 » .
واللّه تبارك وتعالى لا يقبل الدعاء من متواكل كسول ، وما يستمع لشيء استماعه لهتاف مجتهد أن يبارك له سعيه أو دعاء صابر أن يجمّل له العاقبة .
وقد أفرغ المسلمون جهداهم في الدفاع عن رسالتهم ومدينتهم حتى لم يبق في طوق البشر مدّخر ، فبقي أن تتدخل العناية العليا لتقمع صعر الظالم وتقيم جانب المظلوم .
ومن ثمّ أخذ سير المعركة يتطور على نحو لا يدرك الناس كنهه .
وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ
[ المدثر : 31 ] .
هامش
( 1 ) حديث حسن ، أخرجه أحمد : 3 / 3 ؛ وابن أبي حاتم في تفسيره من حديث أبي سعيد الخدري .
( 2 ) صحيح ، أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما .