لا يدرى أثمّ هم أم لا ؟ - هل احتلوا البلد أم لا ؟ - قال : ووجهوا نحو مكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كتيبة غليظة ، فقاتلها المسلمون يوما إلى الليل ، فلما حانت صلاة العصر دنت الكتيبة - من المكان - فلم يقدر النبيّ عليه الصلاة والسلام ولا أحد من أصحابه أن يصلّوا الصلاة على نحو ما أرادوا .
وانكفأت الكتيبة المشركة مع الليل ، فزعموا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال :
« شغلونا عن صلاة العصر ملأ اللّه بطونهم وقلوبهم نارا » « 1 » .
فلما اشتد البلاء نافق ناس كثير ، وتكلموا بكلام قبيح .
ورأى رسول اللّه ما بالناس من البلاء والكرب ، فجعل يبشّرهم ويقول :
« والّذي نفسي بيده ليفرجنّ عنكم ما ترون من الشّدّة ! وإنّي لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق امنا ، وأن يدفع اللّه إليّ مفاتيح الكعبة ! وليهلكنّ اللّه كسرى وقيصر ، ولتنفقنّ كنوزهما في سبيل اللّه » « 2 » .
ووقع ثقل المقاومة على أصحاب الإيمان الراسخ والنجدة الرائعة ، كان عليهم أن يكبتوا مظاهر القلق التي انبعثت وتكاثرت في النفوس الخوّارة الهلوع ، وأن يشيعوا موجة من الإقدام والشجاعة تغلب أو توقف نزعات الجبن والتردد التي بدت هنا وهنالك ، وطبائع النفوس تتفاوت تفاوتا كبيرا لدى الأزمات العضوض .
منها الهشّ الذي سرعان ما يذوب ، ويحمله التيار معه كما تحمل المياه الغثاء والأوحال .
ومنها الصلب الذي تمر به العواصف المجتاحة ، فتنكسر حدّتها على متنه وتتحول رغوة خفيفة وزبدا .
أجل ! من الناس من يهجم على الشدائد ليأخذها قبل أن تأخذه ، وعلى لسانه قول الشاعر :
تأخّرت أستبقي الحياة فلم أجد * لنفسي حياة مثل أن أتقدّما
ومنهم من إذا مسّه الفزع طاش لبه ، فولّى الأدبار ، وكلّما هاجه طلب الحياة وحبّ البقاء أوغل في الفرار .
هامش
( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث علي رضي اللّه عنه ، وقال المقريزي في ( إمتاع الأسماع ) ، ص 234 : « وهو حديث ثابت من طرق عنه » .
( 2 ) لم أجده الان .