الوثنيّة تسود الحضارة القديمة
إنّ تاريخ الحياة مؤسف ! ! .
منذ هبط ادم وبنوه في الأرض ، ثم بعد أن شبّ بهم الزمن ، واطّرد العمران ، وتشعّبت الحضارات ، وأدبرت أجيال ، وأقبلت على أنقاضها أخرى ، منذ ذلك الحين السحيق والناس أخلاط متنافرون ، لا تستقيم بهم السّبل يوما إلا شردت أياما ، ولا يشيمون « 1 » بوارق الحق حينا إلا أطبقت عليهم ظلمات الباطل أحيانا .
ولو تقصّينا تاريخ البشر - على ضوء الإيمان باللّه والاستعداد للقائه - لوجدنا العالم أشبه بمخمور تربو فترات سكره على فترات صحوه ، أو بمحموم غاب عنه في سورة الألم - رشده ؛ فهو يهذي ولا يدري .
وقد كان في تجارب الناس مع أنفسهم ودنياهم مزدجر ؛ يزع عن الشر ، ويردّ إلى الخير ، بيد أن الهوى الغالب لا تجدي معه معرفة .
كم سلخت الدنيا من عمرها قبل أن يظهر محمد صلى اللّه عليه وسلم ؟ ! .
لقد مرّت عليها قرون طوال أفادت فيها علما كثيرا ، ووعت تجارب خطيرة ، ونمت آداب وفنون ، وشاعت فلسفات وأفكار .
ومع ذلك فقد غلب الطيش ، واستحكم الزّيغ ، وسقطت أمم شتى دون المكانة المنشودة لها .
فماذا كان مصير الحضارات في مصر واليونان ، وفي الهند والصين ، وفي فارس وروما ؟ لا أقصد مصيرها من ناحية السياسة والحكم ، بل من ناحية العاطفة والعقل .
إن الوثنية الوضيعة اغتالتها ؛ وفرضت عليها السقوط في هذه الوهدة « 2 »
هامش
( 1 ) يشيمون : يرون . ( ن ) .
( 2 ) الوهدة : الهوة في الأرض . ( ن ) .