ثم إن التوصية التي زود بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم معاذا وأبا موسى الأشعري ، تدل على بعض الآداب التي يجب أن يتحلى بها الداعي إلى اللّه تعالى أثناء ما يقوم به من توجيه وتعليم . فمن ذلك أن يغلّب جانب التيسير على التشديد والتضييق ، وأن يعتمد على التبشير أكثر من الإنذار أو التهديد ، وهو ما سماه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالتنفير .
وقد أوضح ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمثال تطبيقي ، فأمر معاذا أن يدعو الناس أولا إلى الإقرار بالشهادتين ، فإن هم استجابوا لذلك ، فليدعهم إلى إقام الصلاة ، فإن هم استجابوا لذلك ، فليدعهم إلى دفع الزكاة . . وهكذا .
غير أن مظاهر التيسير والتبشير ، ينبغي أن لا تتجاوز حدود المشروع والمباح ، فليس من التيسير المطلوب أو المشروع تبديل بعض الأحكام أو التلاعب بمفاهيم الإسلام بغية التيسير على الناس ، وليس منه الإقرار على المعصية مهما كان شأنها ، وإن كان للتيسير المشروع دخل في اختيار الوسيلة التي ينبغي أن تستعمل لإنكارها .
ومن آداب الدعوة إلى اللّه ، - وهي من آداب الإمارة والولاية أيضا - الاحتراز عن التلبس بظلم أي إنسان ، وخاصة ما يكون منه بأخذ شيء من أموال الناس بغير حق ، وهو نوع خطير من الظلم قد يتعرض له الدعاة إلى اللّه تعالى إذا ما غفلوا عن حقيقة مسؤولياتهم ومراقبة اللّه عز وجل لهم ، كان يتعرض له أرباب الولاية والسلطان .
ولما كان معاذ رضي اللّه عنه متسما بكلا الصفتين لدى إرسال الرسول صلى اللّه عليه وسلم له إلى اليمن ، أي صفة الدعوة ، وصفة الإمارة والولاية ، فقد شدد النبي عليه في التحذير من الوقوع في أي نوع من أنواع الظلم ، قائلا :
« واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين اللّه حجاب » .
فقه السيرة ( البوطي ) — صفحة 360
مساهمون: محمد سعيد رمضان البوطي
ص٣٦٠