وقوله تعالى :
لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ
[ التوبة : 108 ] إشارة إلى مسجد قباء .
العبر والعظات :
تعتبر قصة هذا المسجد ، قمة الكيد الذي وصل إليه المنافقون بالنسبة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه المسلمين ، وليس هو هذه المرة نفاقا فحسب ، بل هو مؤامرة وكيد يدبّر ضد المسلمين . .
ولذلك ، لم يكن موقف النبي صلى اللّه عليه وسلم من هذا الأمر ، استمرارا لموقف التجاهل والإهمال ، وإنما كان له موقف آخر ، استلهمه بوحي من ربه جل جلاله .
وكان هذا الموقف هو الكشف عن حقيقة المنافقين وتعرية أهدافهم عن تلك الأقنعة التي ستروها بها ، ثم هدم وتحريق ذلك البناء الذي زعموه مسجدا ، وهم إنما بنوه مرصدا لنفاق المنافقين وموئلا لتنظيم المكائد ضد المسلمين ، وذريعة للتفريق بينهم .
وإن قصة هذا الكيد الأخير من المنافقين ، مع القصص السابقة لنفاقهم وكيدهم - تعطينا صورة كاملة عن مجموع حكم الشريعة الإسلامية في حقهم .
فهم في كل ما يصدرون عنه من كذب وإظهار لغير ما يظنون ، يتركون لظواهرهم في الدنيا ، وتوكل ضمائرهم إلى اللّه عز وجل وحكمه فيهم يوم القيامة ، ولكنهم فيما قد يصدرون عنه من مؤامرات ومساع ضد المسلمين ، يؤخذون من النواصي متلبسين بجريمتهم ، كما ينبغي أن يدكّ ويهدم كل ما قد بنوه من مكائد ومؤامرات .
وقد دل على ذلك مجموع سياسته صلى اللّه عليه وسلم ومعاملته مع هؤلاء المنافقين وهو ما اتفق عليه عامة الأئمة الباحثين استنادا إلى هذه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك .
هذه وإنك إذا تأملت في خطوات هذا الكيد المتلصص من المنافقين ، وكيفيته ووسائله ، علمت أن طبيعة النفاق واحدة في كل عصر وزمن ، وأن وسيلة المنافقين لا تتبدل ولا تختلف ، وأنهم هم دائما في جبنهم الذليل وكيدهم الحقير وفي ابتعادهم عن النور وتعلقهم بالظلام .
فهم الذين دائما يسجدون بجباههم على أقدام المستعمر الأجنبي ليعينهم في وسيلة حرب ضد إسلام المسلمين في بلدهم ، حتى إذا انفتلوا إلى بني قومهم من المسلمين المؤمنين ، تظاهروا بالإسلام واصطنعوا مظهر الإعجاب به والدعوة إليه ، فإذا أمكنتهم الفرصة من خنق حقيقة من حقائق هذا الدين والقضاء على بعض دعاته أعلنوا أنهم