وإذا كان المجتمع السليم إنما يقوم على أساس من العدالة في الاستفادة من أسباب الحياة والرزق ، فما الذي يضمن سلامة هذه العدالة وتطبيقها على خير وجه ؟ .
إنما الضمانة الطبيعية والفطرية الأولى لذلك ، إنما هي التآخي والتآلف ، يليها بعد ذلك ضمانة السلطة والقانون .
فمهما أرادت السلطة أن تحقق مبادئ العدالة بين الأفراد ، فإنها لا تتحقق ما لم تقم على أساس من التآخي والمحبة فيما بينهم ، بل إن هذه المبادئ لا تعدو أن تكون حينئذ مصدر أحقاد وضغائن تشيع بين أفراد ذلك المجتمع ، ومن شأن الأحقاد والضغائن أن تحمل في طيها بذور الظلم والطغيان في أشد الصور والأشكال .
من أجل هذا ، اتخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من حقيقة التآخي الذي أقامه بين المهاجرين والأنصار أساسا لمبادىء العدالة الاجتماعية التي قام على تطبيقها أعظم وأروع نظام اجتماعي في العالم ، ولقد تدرجات مبادئ هذه العدالة فيما بعد بشكل أحكام وقوانين شرعية ملزمة ، ولكنها كلها إنما تأسست وقامت على تلك « الأرضية » الأولى ، ألا وهي الأخوة الإسلامية ولولا هذه الأخوة العظيمة ، التي تأسست بدورها على حقيقة العقيدة الإسلامية ، لما كان لتلك المبادئ أي أثر تطبيقي وإيجابي في شد أزر المجتمع الإسلامي ودعم كيانه .
ثالثا : المعنى التفسيري الذي صاحب شعار التآخي :
لم يكن ما أقامه الرسول صلى اللّه عليه وسلم بين أصحابه من مبدأ التآخي مجرد شعار في كلمة أجراها على ألسنتهم ، وإنما كان حقيقة عملية تتصل بواقع الحياة وبكل أوجه العلاقات القائمة بين الأنصار والمهاجرين .
ولذلك جعل النبي صلى اللّه عليه وسلم من هذه الأخوة مسؤولية حقيقية تشيع بين هؤلاء الأخوة ، وكانت هذه المسؤولية محققة فيما بينهم على خير وجه ، وحسبنا دليلا على ذلك ما قام به سعد بن الربيع الذي كان قد آخى الرسول صلى اللّه عليه وسلم بينه وبين عبد الرحمن بن عوف ، إذ عرض على عبد الرحمن بن عوف أن يشركه في بيته وأهله وماله في قسمة متساوية ، ولكن عبد الرحمن شكره وطلب منه أن يرشده إلى سوق المدينة ليشتغل فيها ، ولم يكن سعد بن الربيع منفردا عن غيره من الأنصار فيما عرضه على أخيه كما قد يظن ، بل كان هذا شأن عامة الصحابة في علاقتهم وتعاونهم بعضهم مع بعض ، خصوصا بعد الهجرة وبعد أن آخى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فيما بينهم .
فقه السيرة ( البوطي ) — صفحة 158
مساهمون: محمد سعيد رمضان البوطي
ص١٥٨