وقد انقرض الزمن الذي كان بعض العلماء يظنون فيه أن أثر الأسباب الطبيعية في مسبباتها أثر حتمي يستعصي على التخلف والتغيير ، وانتصر الحق الذي طالما نبه إليه ودافع عنه علماء المسلمين عامة والإمام الغزالي خاصة ، من أن علاقات الأسباب بمسبباتها ليست أكثر من رابطة اقتران مجردة . وما العلم في أحكامه وقوانينه إلا جدار ينهض فوق أساس هذا الاقتران وحده ، أما سرّ هذا الاقتران فهو عند ذلك الإله العظيم الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى .
ولقد رأينا العالم التجريبي « دافيد هيوم » كيف يجلّي هذه الحقيقة بأنصع بيان صارم .
نعم ، لا بد أن يشترط كل إنسان عاقل يحترم العقل والحقيقة ، لقبوله أيّ خبر ، سواء تضمن أمرا خارقا أو مألوفا ، شرطا واحدا ، ألا وهو أن يصل ذلك الخبر إليه عن طريق علمي سليم ينهض على قواعد الرواية والإسناد ومقتضيات الجرح والتعديل ، بحيث يورث الجزم واليقين ، وتفصيل القول في هذه الموازين العلمية العظيمة يستلزم كلاما طويل الذيل لسنا بصدد شيء منه الآن .
إنّ رجل العلم اليوم ، ليأخذ منه العجب كل مأخذ ، عندما يقف أمام هذا الذي يقوله رجل مثل حسين هيكل في مقدمة كتابه « حياة محمد » .
( وإنني لم آخذ بما سجلته كتب السيرة والحديث ، لأنني فضلت أن أجري في هذا البحث على الطريقة العلمية ) ! . .
أي أنه يطمئنك إلى أنه لم يأخذ حتى بما قد ثبت في صحيحي البخاري ومسلم ، حفظا لكرامة العلم ! . . إذا فإن ما يرويه الإمام البخاري ضمن قيود رائعة عجيبة من الحيطة العلمية النادرة في رواية الكلمة والخبر ، انحراف عن جادة العلم . . على حين تكون طريقة الاستنتاج والحدس والتخمين وما يسمونه بمنهج التوسم ، حفظا لكرامته والتزاما لميزانه وجادّته ! . .
أليس هذا من أفجع الكوارث النازلة برأس العلم ؟ . .
وأخيرا : كيف ندرس السيرة النبوية على ضوء ما قد ذكرناه :
من المعلوم أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم عندما ظهر في الجزيرة العربية ، قدّم نفسه إلى العالم على أنه نبي مرسل من قبل اللّه عز وجل إلى الناس كافة ، ليؤكد لهم الحقيقة التي بعث بها الأنبياء الذين خلوا من قبل ، وليحمّلهم المسؤوليات ذاتها التي حمّلها الأنبياء السابقون أقوامهم ، موضحا أنه آخر نبيّ مرسل في سلسلة الرسل الذين تعاقبوا مع الزمن ، ثم زاد