ومحبّة ، لا يشرع الجهاد فيه إلا لرد العدوان المداهم ، ولا يحارب أهله إلا إذا أرغموا على ذلك وبودئوا به .
وعلى الرغم من أن هاتين النظريتين متناقضتان كما ذكرنا ، فإن أرباب الغزو الفكري أرادوا أن يستولدوا منهما غاية معيّنة ، هي وحدها المقصودة من كلا هاتين الأطروحتين ، وإليك إيضاح ذلك :
لقد أشاعوا وروجوا أولا أن الإسلام دين بطش وحقد على الآخرين ، ثم انتظروا إلى أن أتت هذه الشائعة ثمارها من ردود الفعل لدى المسلمين وإنكار هذا الظلم في حق إسلام .
وبينما المسلمون يلتمسون الرد على هذا الباطل ، قام من أولئك المشككين أنفسهم من اصطنع الدفاع عن الإسلام بعد طول علم وبحث متجردين ، وراح يردّ هذه التهمة قائلا : إن الإسلام ليس كما قالوا دين سيف ورمح وبطش ، بل هو على العكس من ذلك :
دين محبة وسلام لا يشرع فيه الجهاد إلا لضرورة رد العدوان المداهم ، ولا يرغّب أهله في الحرب ما وجدوا إلى السلام من سبيل .
فصفق بسطاء المسلمين طويلا لهذا الدفاع « المجيد » في غمرة تأثرهم من الظلم الشنيع الأول ، وصادف ذلك في نفوسهم المتحفزة للرد عليه قبولا حسنا ، فأخذوا يؤيدون ويؤكدون ، ويستخرجون البرهان تلو الآخر على أن الإسلام فعلا كما قالوا . . دين مسالمة وموادعة لا شأن له بالآخرين إلا إذا داهموه في عقر داره ، وأيقظوه من هدأته وسباته .
وفات أولئك البسطاء أن هذه هي النتيجة المطلوبة ، وهذا بعينه هو الغرض الذي التقى عليه في السر كل من روّج الشائعة الأولى ثم أشاع الباطل الثاني .
فالمقصود هو السلوك بمقدمات ووسائل مدروسة مختلفة ، تنتهي إلى نسخ فكرة الجهاد من أذهان المسلمين ، وإماتة روح الطموح في نفوسهم .
ونحن نسوق لك شاهدا على هذا ، ما ذكره زميلنا الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه « آثار الحرب في الفقه الإسلامي » . على لسان المستشرق الإنكليزي المعروف « أندرسن » ، ولنقل لك عبارته من مبدئها :
يخاف الغربيون لا سيما الإنكليز من ظهور فكرة الجهاد في أوساط المسلمين حتى لا تتوحد كلمتهم فيقفوا أمام أعدائهم ، ولذلك يحاولون الترويج لفكرة نسخ الجهاد ، وصدق اللّه العظيم إذ يقول فيمن لا إيمان لهم :
فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا