وإذا أمعنا في منبع هذه النظرية عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، نجد أنها في الأصل فكرة بعض المستشرقين والباحثين الأجانب من أمثال غوستاف لوبون ، وأوجست كونت ، وهيوم ، وجولد زيهر ، وغيرهم . وأساس هذه النظرية عندهم وسببها ، هو عدم الإيمان بخالق المعجزات أولا ، ذلك لأن الإيمان باللّه عز وجل إذا استقر في النفس ، سهل الإيمان بكل شيء بعد ذلك ولم يبق شيء في الدنيا يستحق أن يسمى في الحقيقة معجزة .
ثم تلقف هذه النظرية منهم ، أناس من المسلمين ، كان من سوء حظ العالم الإسلامي ، أن جندوا كل مساعيهم وعلومهم للتبشير بأفكار أولئك الأجانب دون أي مؤيد سوى الافتتان بزخرف خداعهم وانخطاف أبصارهم بمظهر النهضة العلمية التي هبت في أنحاء أوروبا ، وكان من هؤلاء المسلمين الشيخ محمد عبده ، ومحمد فريد وجدي ، وحسين هيكل .
ثم نظر محترفو التشكيك وأرباب الغزو الفكري ، فوجدوا في هذا الذي يقوله بعض من المسلمين أنفسهم ما يفتح لهم آفاقا وميادين جديدة لغزوهم الفكري وتشكيك المسلمين بدينهم ، يغنيهم عن وسيلتهم العتيقة . . وسيلة الحرب المباشرة للعقيدة الإسلامية وغرس الأفكار الإلحادية في الرؤوس .
فراحوا يروجون صفات معينة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كالبطولة والعبقرية والقيادة في عبارات من الإعجاب والإطراء ، ويبالغون في الوقت ذاته في تصوير حياته العامة بعيدة عن كل ما لا يدركه العقل من المعجزات وخوارق العادات ، كي يتم لهم إنشاء صورة جديدة للنبي صلى اللّه عليه وسلم في أذهان المسلمين مع مرور الزمن ، قد تكون صورة « محمد العبقري » أو تكون صورة « محمد القائد » أو تكون صورة « محمد البطل » ولكنها لا ينبغي أن تكون على أي حال من الأحوال صورة « محمد النبي والرسول » إذ تكون جميع حقائق النبوة بما يحف بها ويستلزمها من وحي . . وغيبيات وخوارق ، قد قذف بها - بعامل هذا الترويج لألقاب العبقرية والبطولة البعيدين عن المعجزات والخوارق - إلى عالم ما يسمونه :
الميتيولوجيا « الأساطير » ذلك لأن ظاهرة الوحي والنبوة تعتبران في رأس المعجزات .
وحينئذ لا ينبغي أن يتصور - بطبيعة الحال - أي سبب لتكاثر مختلف الناس والأمم من حول الرسول وانضوائهم تحت لوائه وانسياقهم في دعوته ، إلا التأثر بعبقريته ومقومات القيادة في حياته . وانظر ! . . فإن هذا القصد الذي يهدفون إليه يتجلى واضحا في إشاعة كلمة « محمديين » كتسمية جديدة بدلا عن : مسلمين .
ولكن ما هو موقع هذا التخيل والتصور من حقيقة أمر محمد صلى اللّه عليه وسلم وشأنه ، إذا ما
فقه السيرة ( البوطي ) — صفحة 113
مساهمون: محمد سعيد رمضان البوطي
ص١١٣